حلب – أعادت السلطات السورية الخميس، افتتاح المسجد الأموي الكبير في مدينة حلب شمالي البلاد، بعد نحو 13 عاماً من خروجه عن الخدمة بفعل الحرب والقصف الذي ألحق أضراراً جسيمة بمعالمه التاريخية، في خطوة تتجاوز استعادة أحد أبرز الصروح الدينية والتراثية في المدينة إلى استئناف الحياة في جزء من نسيجها التاريخي الذي طالته سنوات الصراع.
وجاء افتتاح المسجد بعد أعمال ترميم أُطلقت عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بهدف إعادة تأهيل المبنى والحفاظ على خصوصيته المعمارية والتراثية، بعدما تعرض لأضرار واسعة خلال المعارك التي شهدتها حلب بين عامي 2012 و2016.
وقال محافظ حلب عزام الغريب، خلال مراسم الافتتاح، إن عودة المسجد تمثل صفحة جديدة في مسيرة البناء واستعادة الحياة في المدينة، مستذكراً مكانته التاريخية بوصفه مركزاً للعلم والدعوة وملتقى للعلماء والمفكرين عبر العصور. كما أشار إلى ارتباط المسجد بالأحداث التي شهدتها الثورة السورية، إذ خرجت من محيطه مظاهرات مناهضة للنظام السابق.
ويعود تاريخ المسجد إلى العصر الأموي، إذ بدأ بناؤه عام 716 ميلادية، ويُعد من أقدم المساجد وأبرز المعالم الإسلامية في سوريا. وعلى امتداد قرون، احتفظ بمكانة دينية وعلمية بارزة، إلى جانب قيمته العمرانية التي جعلته جزءاً أساسياً من هوية حلب القديمة وذاكرتها التاريخية.
لكن الحرب قلبت مسار هذا الصرح، بعدما تحولت المنطقة المحيطة به إلى إحدى جبهات المواجهة بين قوات النظام السابق وفصائل المعارضة المسلحة. وتعرض المسجد لأضرار كبيرة جراء القصف والمعارك وخرج عن الخدمة عام 2013، فيما أصابت الأضرار أجزاء من قبته وأروقته ومئذنته الشهيرة، التي شكلت أحد أبرز معالم المدينة التاريخية.
ولم يكن تضرر المسجد مجرد خسارة لمبنى ديني، بل مسّ معلماً ارتبط بالحياة اليومية والاجتماعية لسكان حلب، وبمكانة المدينة بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً وثقافياً. ولذلك، فإن إعادة افتتاحه تحمل دلالات تتصل باستعادة المعالم التي شكلت الذاكرة الجماعية للسكان، وإعادة وصل الحاضر بتاريخ تعرض للتشويه والتدمير خلال سنوات الحرب.
وتبرز أهمية أعمال الترميم أيضاً في ضرورة التوفيق بين إعادة تأهيل المبنى وإبقاء ملامحه التاريخية الأصيلة، وهي مهمة تتطلب مراعاة المواد المستخدمة والتفاصيل المعمارية التي تمنح المسجد خصوصيته. فإعادة البناء في المواقع التراثية لا تقتصر على استكمال الأجزاء المتضررة، بل تشمل الحفاظ على القيمة التاريخية للمكان وعدم محو آثار هويته العمرانية.
ويأتي افتتاح المسجد في سياق أوسع من الجهود الرامية إلى استعادة الحياة في حلب، التي عانت أضراراً واسعة طالت أحياءها القديمة وبنيتها التحتية ومرافقها العامة. كما يسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجه إعادة إعمار المدينة، حيث تتداخل الحاجة إلى إصلاح المباني والخدمات مع ضرورة صون الإرث الثقافي والديني.
وبين استعادة دوره الديني وإحياء رمزيته التاريخية، يمثل المسجد الأموي الكبير محطة في مسار طويل لإعادة تأهيل حلب القديمة، فيما تظل استعادة المدينة لمكانتها الحضارية مرتبطة بقدرة جهود الإعمار على حماية تراثها وتلبية احتياجات سكانها في آن واحد.

التعليقات