موسكو – عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساعدة إيران على إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، مؤكداً استعداد موسكو لاتخاذ جميع الإجراءات الممكنة للمساهمة في تسوية الصراع، في مبادرة تضع الكرملين مجدداً في موقع الساعي إلى لعب دور دبلوماسي في الشرق الأوسط، رغم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية من دون تسوية تلوح في الأفق.
وقال بوتين خلال لقائه نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في تركمانستان الخميس، إن طهران تبذل جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب، مضيفاً أن روسيا مستعدة لفعل كل ما في وسعها للمساعدة على تسوية الوضع. وجاء اللقاء على هامش اجتماعات إقليمية، في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية بشأن الصراع الإيراني.
من جانبه، أكد بزشكيان أن بلاده لم تنسحب من مسار التفاوض مع واشنطن، رغم ما وصفه بتعرض طاولة المفاوضات للقصف مراراً. وقال إن طهران تجمع المقترحات تمهيداً لصياغة نص نهائي ومراجعته عبر الوسطاء، مشدداً على ضرورة إنهاء الحرب واحترام حقوق إيران.
وأضاف الرئيس الإيراني أن استمرار الولايات المتحدة في ما وصفه بالنهج الأحادي سيجعل إنهاء الحرب في المستقبل القريب أمراً صعباً، موجهاً الشكر إلى موسكو على مواقفها ودعمها في الأمم المتحدة.
ويعكس العرض الروسي حرص الكرملين على تثبيت حضوره في أزمة إقليمية تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة العسكرية، خصوصاً في ظل المخاطر التي تطال أمن الخليج وإمدادات الطاقة والملاحة الدولية، لكن إعلان الاستعداد للوساطة لا يعني أن موسكو تمتلك بالضرورة الأدوات الكافية لإحداث اختراق، إذ يتوقف نجاح أي مبادرة على قبول الأطراف المعنية بها، وقدرتها على ردم الخلافات بشأن شروط وقف الحرب.
وساطة خارجية وحرب مفتوحة في الداخل
وتحمل المبادرة الروسية مفارقة سياسية واضحة، فبوتين يعرض المساعدة على إنهاء حرب خارج حدود بلاده، بينما تخوض روسيا منذ فبراير/شباط 2022 حرباً واسعة ضد أوكرانيا، لم تنجح جولات التفاوض بشأنها في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو اتفاق نهائي. وتشير التقييمات المنشورة في سبتمبر/أيلول إلى استمرار الخلافات حول الأراضي والضمانات الأمنية، رغم محاولات إحياء المسار الدبلوماسي.
ولا يلغي هذا التناقض قدرة روسيا على أداء دور الوسيط، لكنه يضع مبادرتها أمام اختبار المصداقية والفاعلية، فالدبلوماسية لا تشترط أن تكون الدولة الوسيطة قد أنهت نزاعاتها الخاصة، إلا أن استمرار حربها يمنح خصومها مجالاً للتساؤل عن قدرتها على تقديم نموذج عملي للتسوية، وعن مدى استعدادها للضغط على حلفائها عندما تتعارض مصالحهم مع متطلبات التهدئة.
كما أن علاقة موسكو بطهران تجعل دورها المحتمل مختلفاً عن دور وسيط محايد بالكامل، فالتقارب الاستراتيجي بين البلدين يمنح روسيا قنوات اتصال ونفوذاً لدى القيادة الإيرانية، لكنه يثير أيضاً تساؤلات بشأن قدرتها على إقناع واشنطن، أو تقديم ضمانات مقبولة للطرفين.
وتملك موسكو مصلحة في منع اتساع الحرب، بالنظر إلى انعكاساتها على أسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية وعلاقاتها مع إيران. كما أن نجاحها في تسهيل اتفاق، حتى من دون رعاية المفاوضات بصورة حصرية، قد يعزز صورتها قوةً دولية قادرة على التواصل مع أطراف متخاصمة مع الولايات المتحدة.
لكن هذه الحسابات لا تعني أن روسيا تستطيع فرض تسوية، فواشنطن وطهران مطالبتان بالتوافق على شروط إنهاء القتال، فيما تظل ملفات العقوبات والبرنامج النووي وأمن الملاحة ومضيق هرمز من القضايا القادرة على تعطيل أي تفاهم. كذلك لا يقدم الإعلان الروسي، حتى الآن، تفاصيل عن آلية وساطة محددة أو ضمانات يمكن أن تستند إليها الأطراف.
وتبرز هنا حدود الدور الروسي، فالعلاقة الوثيقة مع إيران قد تتيح لبوتين نقل الرسائل وتسهيل الاتصالات، لكنها لا تكفي وحدها لتجاوز انعدام الثقة بين واشنطن وطهران. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا يضع موسكو أمام معضلة إضافية، إذ تسعى إلى توسيع حضورها الدبلوماسي دولياً، بينما تستنزف الحرب مواردها وتبقي علاقاتها مع الغرب محكومة بمواجهة لم تُحسم.
لذلك، فإن أهمية العرض الروسي لا تكمن في إعلان الاستعداد للوساطة وحده، بل في ما إذا كان سيتحول إلى اتصالات عملية ومقترحات قابلة للتفاوض. وبين رغبة موسكو في تعزيز نفوذها الإقليمي وعجزها عن إنهاء حربها الخاصة، يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت ستتمكن من المساهمة في إغلاق جبهة جديدة، أم أن المبادرة ستظل رسالة سياسية لتأكيد الحضور الروسي في أزمة تتجاوز قدرته المنفردة على حلها.

التعليقات