دمشق ـ تتشابك الأيدي وتتداخل الأجساد والوجوه في مشهد يبدو فيه كل حضور متأثرا بما يحيط به، كأن الشخصيات تبحث وسط القلق والإنهاك عن سند يحميها من العزلة، لترسم لوحة الفنانة التشكيلية رولا أبو صالح مشهداً يتأرجح بين القلق والحاجة إلى السند، حيث يغدو التضامن الإنساني محاولة للتمسك بالآخر ونافذةً للبحث عن الحرية وسط المعاناة.
وضمن زاوية قراءة تشكيلية الأسبوعية التي تنشرها وكالة الانباء السورية (سانا الثقافية، لإضاءة نتاجات الحركة الفنية السورية، نتوقف عند هذا العمل، مستكشفين العلاقات بين الأجساد والألوان والظلال في اللوحة، وما تتيحه من قراءات تتصل بالقلق والذاكرة والواقع الاجتماعي، مستعينين برؤية الناقد الفني عبد القادر الخليل.
وتقوم اللوحة، على تداخل الأجساد والأيدي والوجوه ضمن تكوين مشحون بالتوتر، تتجاور فيه ملامح الإنهاك مع إشارات إلى التقارب والتمسك بالآخر، وتسهم درجات الأزرق والرمادي والألوان الداكنة في تكوين المناخ النفسي للعمل، فتمنح الأجساد مظهرا شاحباً يوحي بالغرق والعزلة، فيما يعزز التباين بين الظلال والمساحات الأكثر إضاءة الإحساس بالتوتر.
ونفذت الفنانة العمل بألوان الأكريليك على القماش، مستفيدةً من العلاقات اللونية في بناء حالة تتقاطع فيها المشاعر الثقيلة مع إمكانات الأمل والتحرر، حيث تبقى الإيماءات المتبادلة بين وجوه الشخصيات مدخلاً إلى التساؤل عن معنى التضامن في ظروف الضغط والمعاناة.
ويرى الناقد الفني عبد القادر الخليل، ، أن اللوحة تستحق التوقف عندها لما تحمله من أبعاد شكلية ونفسية وفكرية، مشيرا إلى أن التضامن الإنساني والتعاطف يشكلان محورين أساسيين في قراءته للعمل، إلى جانب القلق والواقعية الاجتماعية والحنين إلى الماضي.
ولفت الخليل إلى أن تشابك الأيدي وتداخل الأجساد يعطي أهمية في قراءة العمل، إذ يتيحان التفكير في العلاقة بين الفرد ومحيطه، وفي الحاجة إلى السند الإنساني عندما تتعرض الحياة لضغوط نفسية أو اجتماعية.
ويجد الخليل في اللوحة مساحة للمشاركة في بناء قراءة مشتركة، تتقاطع فيها التأويلات مع التجربة الذاتية ورؤية الفنانة للعالم، من دون حصر العمل في معنى وحيد، أو التعامل مع رموزه بوصفها إشارات مغلقة لا تحتمل سوى تفسير واحد.
وتستوقف الخليل مشاعر القلق التي يقرؤها في التكوين البصري، ويربطها بحالة إنسانية تتداخل فيها استعادة أحداث الماضي مع الخشية من المستقبل، وتنعكس آثارها على الجسد والوعي والعلاقات، فيظهر القلق حالة تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى محيطه، وفي قدرته على فهم ما يعيشه واستشراف ما ينتظره.
وفي معرض قراءته للوحة يستحضر الخليل مفهوم الظل لدى عالم النفس كارل غوستاف يونغ، بوصفه مدخلاً لفهم الجوانب من الذات التي قد يحاول الإنسان إخفاءها أو إنكارها، وما يرتبط بها من مخاوف وصراعات داخلية.
ويربط الخليل اللوحة بالواقعية الاجتماعية، التي تتجاوز نقل مظاهر الحياة كما تبدو إلى الكشف عن التوترات المعاشة وآثارها في الإنسان، وقد ارتبط هذا الاتجاه تاريخياً بالتحولات التي شهدتها المجتمعات الحديثة، وبالاهتمام بتصوير الفوارق الاجتماعية والعمل والمعاناة اليومية.
وتتيح اللوحة، وفق هذه القراءة، التفكير في أثر الظروف المحيطة بالفرد، وفي التناقض بين حاجته إلى الأمان وما قد يواجهه من ضغوط تحد من حريته وقدرته على الاختيار.
وتحتل الحرية مكانة مهمة في قراءة الخليل، إذ ترتبط بقدرة الإنسان على تقرير مصيره والتصرف بمسؤولية بعيداً عن الإكراه، ويتقاطع هذا المعنى مع الحنين إلى الماضي، الذي يراه الناقد شعوراً مركباً يستعيد التجارب السابقة بما تحمله من فرح وحزن، ويصل الذاكرة بالتطلعات نحو المستقبل.
ويشير الخليل أيضاً إلى إمكان قراءة العمل في سياق دور المرأة في الحياة الثقافية والاجتماعية وقدرتها على التعبير عن قضايا المجتمع من خلال الفن، فاللغة التشكيلية تتيح للفنانة تقديم رؤيتها الخاصة للعالم.
وفي ختام قراءته، يرى الخليل أن الفن يتجاوز الجمال والأسلوب والانفعال، ليصبح وسيلة لفهم العالم والكشف عن أوجه التفاوت، واستعادة الحكايات الإنسانية التي قد تغيب عن الذاكرة العامة، ومن هذا المنظور، تمنح اللوحة المتلقي فرصة للتأمل في هشاشة الإنسان أمام الضغوط، وفي القوة التي يمكن أن تنشأ من الروابط التي تجمعه بالآخرين.
رولا أبو صالح فنانة تشكيلية سورية، ولدت في دمشق عام 1982، وتخرجت في مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية عام 2007، وتتناول أعمالها، قضايا التضامن النسوي ومعاناة الطفولة والأسئلة الوجودية، من خلال لغة بصرية تمزج الواقع بالخيال.

التعليقات