بغداد – تتجه شركات النفط الكبرى نحو العراق، مدفوعة بفرص استثمارية قد تجعل البلاد أحد أبرز المستفيدين من التحولات التي تشهدها المنطقة، في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وإيران حربا تؤثر على المنطقة كلها.
واستعاد موقع “ذاايج” الأسترالي مقولة تتناسب مع الوضع العراقي الحالي “اشترِ على وقع المدافع، وبِع على أنغام الأبواق”، والتي تنسب للمصرفي البريطاني في القرن التاسع عشر، البارون ناثان روتشيلد، الذي موّل الحروب النابليونية، لكن أصداء فلسفته تتردد في تصريحات مسؤولي شركات النفط اليوم.
وقال مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة “شيفرون”، خلال أحد التجمعات الصناعية الأخيرة، في معرض حديثه عن المفاوضات مع بغداد “العوائد تأتي مع المخاطر، وكما تعلمون، نحن لا نخشى المخاطر”.
ولم يبدُ أن هذا التصريح أثار استغرابا يذكر بين الحاضرين. فالعراق وجهة محفوفة بالمخاطر، ولا سيما في ظل الحرب الدائرة في جواره، لكنه يقدم، للمرة الأولى منذ عقود، فرصا للعوائد التي تطمح إليها شركات النفط الكبرى.
وعندما تصمت المدافع، يُرجح أن تخرج بغداد مستفيدة من الأزمة الإقليمية، مع تدفق مليارات الدولارات من شركات مثل “شيفرون” و”بي.بي” و”كونوكو فيليبس”، وحتى “إكسون موبيل”. أما شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية العملاقة، فهي بالفعل من كبار المستثمرين في البلاد.
وبفضل العقود الجديدة التي أبرمها العراق، وتلك التي لا يزال يتفاوض بشأنها، يمكن للبلاد رفع طاقتها الإنتاجية إلى 5.5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 4.5 ملايين برميل يوميا قبل اندلاع الحرب.
وطالما تطلعت بغداد إلى زيادة إنتاجها إلى 6 ملايين برميل يوميا، وهو مستوى سيجعل العراق ثاني أكبر منتج للنفط في الشرق الأوسط بعد السعودية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحدث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن رفع الطاقة الإنتاجية إلى 8 ملايين برميل يوميا، بل وإلى 10 ملايين برميل يوميا بعد عام 2035. لكن هذه الأهداف تبدو غير واقعية، حتى مع تدفق الاستثمارات.
ومع ذلك، فإن زيادة الإنتاج بنسبة أكثر معقولية تتراوح بين 20 و30 في المئة ستكون إنجازا كبيرا، ولا سيما في ظل الحرب الأميركية الإيرانية وما تفرضه من تحديات على قطاع الطاقة.
لكن يبقى سؤال أساسي بلا إجابة، يتعلق بموقف العراق ومنظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”: كيف ستتعامل المنظمة مع رغبة بغداد في زيادة إنتاجها بمعدلات كبيرة؟
هناك احتمالان مرجحان؛ أولهما أن تتغاضى “أوبك” عن تجاوز العراق حصص الإنتاج، كما فعلت سابقا مع أعضاء آخرين، بينهم الجزائر والإمارات، أما الاحتمال الثاني، فهو أن يتجاهل العراق قيود المنظمة وينسحب منها في نهاية المطاف.
وقد يواجه العراق عقبات إذا ظل مضيق هرمز ساحة للحرب، لكنه يمتلك خيارات لتجاوز هذا الممر الحيوي.
فبغداد تصدّر بالفعل كميات محدودة من النفط الخام عبر خط أنابيب بديل يتجه شمالا، مرورا بتركيا وصولا إلى البحر المتوسط، حيث يمكن تحميل النفط على الناقلات. كما أن انتهاء الحرب الأهلية السورية يفتح الباب أمام خيار آخر، يتمثل في إنشاء خط أنابيب أقصر باتجاه الغرب، ينتهي أيضا على ساحل البحر المتوسط.
ومن شأن هذه المسارات أن تمنح العراق خيارات إضافية لتصدير نفطه، وتحدّ من اعتماده على الطرق البحرية التي قد تتعرض للاضطراب خلال الأزمات الإقليمية.
ويقدم العراق صيغة تعاقدية جديدة تقترب، من حيث مزاياها، من عقود تقاسم الإنتاج أكثر من عقود الخدمة التقليدية. فهي تمنح الشركات فرصة الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، وتتيح لها تسجيل الاحتياطيات.
وقال ويرث، خلال منتدى “إنرجي إنتليجنس” في لندن مطلع الشهر الجاري، إن “الشروط المالية في العراق أصبحت أكثر جاذبية”، مضيفا أن “الجدوى الاقتصادية تبدو أفضل اليوم”.
وقبل ثلاث سنوات، أصبحت شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية أول شركة نفط كبرى تدخل العراق وفق الشروط التعاقدية المحسنة، من خلال استثمار تبلغ قيمته 27 مليار دولار على مدى عدة سنوات في حقول النفط والغاز الطبيعي.
ولم يُبدِ باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي للشركة، أي ندم على الاستثمار رغم الحرب، مؤكدا خلال المنتدى نفسه أن “الشرق الأوسط لا يزال يمتلك النفط الأقل تكلفة”.
وسارت شركة “بي.بي” على النهج ذاته العام الماضي، عبر توقيع عقد جديد، قبل أن تستقطب شركة “كونوكو فيليبس” إلى المشروع قبل بضعة أشهر. لكن دخول “شيفرون” يُعد التطور الأبرز حتى الآن، بعدما وقعت الشركة اتفاقا أوليا مع بغداد بشأن أصول كانت مملوكة لشركة النفط الروسية “لوك أويل”، ومن المتوقع إبرام العقد النهائي في عام 2027.
وتعكس هذه التحركات تحولا في نظرة الشركات العالمية إلى السوق العراقية، بعدما باتت العقود أكثر جاذبية من الناحية المالية، في وقت لا تزال فيه البلاد تمتلك احتياطيات ضخمة وإمكانات كبيرة لزيادة الإنتاج.
وتخضع صناعة النفط لدورات متعاقبة؛ إذ تعقب فترات النقص عادة موجات من فائض المعروض. وفي الوقت الراهن، ينتج العراق كميات تقل كثيرا عن طاقته القصوى، بفعل تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية.
لكن الصورة قد تتغير في المستقبل القريب. فالعراق الذي ظل لعقود يكافح لجذب استثمارات نفطية تتناسب مع ثرواته، يبدو اليوم أقرب إلى استقطاب رؤوس الأموال التي يحتاج إليها لتوسيع إنتاجه.

التعليقات