في تحول لم يكن يتوقعه أعتى المتابعين للشأن السياسي الأوروبي، شهد المؤتمر العام لحزب الخضر البريطاني تصويتاً ينطوي على دلالات استثنائية في تاريخ الموقف الحزبي الغربي من القضية الفلسطينية. لم يتوقف القرار عند حدود التنديد التقليدي بالحرب أو المطالبة بوقف إطلاق النار، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك الجذر الفكري للنزاع، عبر تصنيف الصهيونية حركة عنصرية، ورفض الصيغ المتهالكة لـ”حل الدولتين”، والتأكيد على خيار الدولة الواحدة المستقلة والديمقراطية لكل قاطنيها على كامل التراب الفلسطيني التاريخي.
تكمن المفارقة الكبرى في أن هذا الموقف التقدمي والجريء يبرز داخل حزب تلعب فيه قيادات بارزة، مثل زاك بولانسكي السياسي البريطاني واليهودي الأشكنازي ذي الأصول البولندية، دوراً محورياً. إن سقف الحزب اليوم يتجاوز في جذريته وشجاعته التحليلية المواقف الرسمية لغالبية الفصائل والتنظيمات الفلسطينية المعاصرة، التي تكبلت بعقود من الاتفاقيات المرحلية ومتاهات التسوية.
إنها رؤية تعيد إلى الأذهان الأدبيات التأسيسية الأولى لحركة فتح والجبهة الشعبية وللحركات القومية العربية في ستينيات القرن الماضي؛ يوم كان الخطاب النضالي يرفع بوضوح شعار تفكيك منظومة التمييز والاحتلال لصالح دولة واحدة ديمقراطية تسع الجميع وتنهي الهيمنة العرقية.
ولعل الأهمية الاستراتيجية لهذا التصويت تكمن في استعادته لروح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر عام 1975، والذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العرقي. ذلك القرار الذي أُلغي في عام 1991 تحت وطأة الضغوط الدولية وكشرط إسرائيلي لا بديل عنه للدخول في مؤتمر مدريد للسلام، يعود اليوم للبعث من جديد، ليس من أروقة المنظمات الدولية، بل من قلب السياسة البريطانية. وهو ما يفسر حالة الهلع التي تصيب أطراف اليمين والدائرين في الفلك الإسرائيلي؛ إذ يخشى هؤلاء أن يتحول موقف ‘الخضر’ إلى سابقة أخلاقية وفكرية تتبناها الأحزاب التقدمية واليسارية في مختلف أنحاء أوروبا خلال السنوات القادمة.
إن قيادة شخصيات من خلفية يهودية أشكنازية لهذا التحول الفكري تصفع السرديات التقليدية في الصميم، وتؤكد أن الصراع لم يكن يوماً دينياً أو عرقياً، بل هو نضال إنساني وسياسي ضد الأيديولوجيات الإقصائية ونظام الأبارتهايد.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه القيادات الفلسطينية الرسمية تحت وطأة الانقسام والضغوط الإقليمية لتطالب بأقل القليل، تجد الأحزاب الغربية الحرة ترفع السقف وتطالب بالحق الكامل والعدالة المطلقة.
إن ما أقدم عليه حزب الخضر البريطاني ليس مجرد مجاملة سياسية أو بيان عابر، بل هو زلزال في الوعي الغربي يؤشر إلى بداية انهيار السردية الصهيونية في معاقلها الفكرية. إنها لحظة فارقة تثبت أن المبادئ لا تتجزأ، وأن العدالة التاريخية حين تجد من يدافع عنها بصدق، تتجاوز حدود الجغرافيا والهويات الضيقة، لتلتقي مع روح النضال الأصيل الذي أطلقته الشعوب قبل أن تكبله سياسات المساومة.

التعليقات