التخطي إلى المحتوى

كان كامل منهمكا في تنظيف قبر والده، يقتلع الأعشاب اليابسة وينفض التراب عن الحجارة التي اسودت بفعل الزمن، حين لمح امرأة تقف أمام قبر مهمل تحيط به الأشواك. كانت أنيقة الثياب، مكتملة الزينة، ولا يبدو عليها شيء من مظاهر الحداد.

أخرجت سيجارة من حقيبتها وأشعلتها، ثم حدقت في شاهد القبر وقالت بصوت مسموع:

ـ  أخيرا يا عبدالحي! ها أنت ذا في المكان الذي لا ينفع فيه مال ولا جاه. انتهى جبروتك، أيها الرجل المتغطرس، ولم يبق لك سوى هذا القبر المهمل. حتى اسمك كان مثيرا للسخرية؛ عبدالحي، وكأنك ستعيش إلى الأبد، بينما لم تعرف كيف تحيي قلبا واحدا من قلوب الذين عذبتهم!

ارتجفت شفتاها، ثم أضافت:

ـ  ليت لعناتي تلاحقك حتى في قبرك، فأنت لا تستحق الرحمة، بعدما فعلته بعائلتك، وبابنتك الوحيدة خصوصا.

سكتت لحظة، ثم تابعت بصوت يختلط فيه الألم بالغضب:

ـ  كنت ابنتك، ومع ذلك لم أحصل منك على كلمة حنان أو ابتسامة صادقة. كنت أرى بنات الناس يركضن الى آبائهن فيحتضنونهن، فأعود إلى غرفتي وأبكي، متسائلة عن الذنب الذي ارتكبته كي تحرمني من أبسط حقوقي.

أخذت نفسا من سيجارتها وقالت:

ـ  وعندما قررت تزويجي، لم تسألني إن كنت أحب الرجل أو أكرهه. عقدت صفقة رابحة، ظننت أنها ستزيد نفوذك وثروتك، ولم تفكر لحظة في مصيري. كان يضربني ويهينني لأتفه الأسباب، وكلما هربت إليك مستغيثة، صفعتني وشتمتني وأعدتني إليه، بل كنت تحثه على مزيد من القسوة حتى لا أتمرد عليه.

توقفت قليلا، ثم أردفت:

ـ  ولما لم يرزق بأطفال مني، اتهمني بالعقم، واتخذ ذلك ذريعة لتعذيبي وإذلالي، وأنت لم تكلف نفسك حتى عناء السؤال والتحقق. كنت تريد زوجة مطيعة له وابنة صامتة لك، لا إنسانة لها قلب وكرامة وحق في الحياة.

أطرقت برأسها، قبل أن تستعيد هدوءها وتقول:

ـ  لن أتحدث عن بقية العائلة، ولا عن أمي التي ماتت قهرا بين رجل لا يعرف الرحمة وابنة عاجزة عن حمايتها. لكن السماء لم تتخل عني تماما.

ارتسمت على وجهها ابتسامة وهي تتابع:

ـ  التقيت رجلا ثريا رأى في إنسانة تستحق الحب، لا امرأة مكسورة. كانت الكدمات على وجهي أول ما لفت انتباهه، فسألني عمن فعل بي ذلك، ولم أستطع الإجابة. بكيت، فأصر على مساعدتي، حتى بعدما رفضت خوفا من أن يكون مصيري معه أسوأ مما عشته.

تنهدت، وكأنها تستعيد أجمل أيام حياتها:

  ـغادرت هذه المدينة اللعينة وبدأت حياة جديدة. منحني قصرا وأمانا لم أعرفهما من قبل. لأول مرة نمت دون خوف، وضحكت دون أن أترقب عقابا، وتحدثت دون أن أخشى أن تدمر كلمة واحدة حياتي.

ثم أضافت بفرح واضح:

ـ  وأنجبت منه توأمين، ولدا وبنتا. طفلين يعرفان الحب والحنان، ولم يضطرا يوما الى التساؤل إن كان أبوهما يحبهما. لم أخبرهما عنك، ولا عن عائلتي. اتفقنا أن نقول لهما إنه وجدني في أحد المياتم، فقد أردت لهما طفولة نظيفة، بعيدة عن ظلام الماضي ورجل لم يعرف كيف يكون أبا.

خفتت ابتسامتها قليلا، ثم قالت:

ـ  واليوم رحل زوجي الطيب إلى دار الحق، لكنه تركني وطفلينا في نعمة لا تقدر بثمن. ليست الثروة ما يجعلني سعيدة، بل أنني عشت معه سنوات لم أضرب فيها، ولم أهن، ولم أتوسل للحصول على ذرة من الرحمة.

نظرت الى القبر نظرة أخيرة، وقالت ببرود:

ـ  عندما سمعت بموتك، تحققت من الخبر ثم جئت إلى هنا. لم آت لأبكيك أو أترحم عليك، ولا لأقول إنني سامحتك. جئت لأتأكد أن الرجل الذي جعل حياتي جحيما لن يعود أبدا ليقف في طريقي.

ألقت عقب سيجارتها على القبر، وسحقته بحذائها الأنيق، ثم استدارت مغادرة.

كان كامل قد توقف عن العمل، يراقبها بدهشة، حتى سمعها تتحدث عبر هاتفها قرب بوابة المقبرة، بصوت دافئ لم يشبه صوتها قبل قليل:

ـ  نعم يا حبيبي، انتهيت. سأعود إليكما الآن. قبل أخاك عني، وسأحضر لكما شيئا تحبانه.

أغلقت الهاتف ومضت.

فهم كامل عندها أنها لم تأت لتودع أباها، بل لتودع آخر ما بقي منه في حياتها.

عاد ينظر إلى قبر والده، ومسح بيده على شاهده. أدرك أن الموت لا يجعل البشر سواء، وأن القبر قد يكون لبعضهم مكانا للحنين، ولآخرين آخر ساحة يستردون فيها كرامة سلبت منهم طوال العمر.

نهض ببطء، ونفض التراب عن ثيابه، ثم تمتم:

ـ  يا لها من مأساة! أن يترك الإنسان وراءه قبرا، ولا يترك قلبا واحدا يشتاق إليه.

غادر المقبرة، فيما بقي عقب السيجارة فوق قبر عبدالحي، شاهدا صغيرا على حقد لم يطفئه الموت، وعلى امرأة استطاعت أخيرا انتزاع حياتها من بين أنياب الماضي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *