التخطي إلى المحتوى

إصلاح الرأسمالية أم استبدالها؟

ليس من الصعب العثور على ما يستدعي مساءلة النظام الاقتصادي العالمي؛ فأزمات مالية متلاحقة، وجائحة قلبت موازين الحياة، وحروب أعادت رسم خريطة المصالح، كلها وضعت الرأسمالية أمام اختبار صعب.

 

وفي الوقت ذاته، تصعد تيارات هامشية تستثمر في نظريات المؤامرة وتقترب أكثر من مراكز السلطة، بينما تتزايد الأصوات التي تتساءل عما إذا كان النظام الرأسمالي قابلاً للإصلاح، أو أنه يستحق أصلاً أن يستمر.

 

 

بيد أن السؤال الأصعب ليس ما إذا كانت الرأسمالية تعاني عيوباً، بل ما إذا كانت البدائل المطروحة قادرة على معالجة تلك العيوب من دون خلق مشكلات أكبر.

 

هذا هو المحور الذي يدور حوله كتابان يتناولان مستقبل الاقتصاد والمجتمع: “الهروب من الرأسمالية“ لـ”كلارا ماتّي”، أستاذة الاقتصاد في جامعة تولسا، و“المجتمع الجيد“ لـ”كيت بيكيت”.

 

ورغم اختلاف منطلقاتهما، فإن كليهما يحاول الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن بناء مجتمع أكثر عدالة وازدهاراً؟ غير أن الطموح الفكري للكتابين لا يضمن إقناع القارئ بالحلول التي يطرحانها.

 

نقد جذري يتجاهل مكاسب السوق

 

تقدم “ماتّي” في كتابها “الهروب من الرأسمالية“ رؤية نقدية حادة للنظام الاقتصادي، وتصفه بأنه منظومة غير مرئية تدفع الناس إلى الاعتقاد بأن قواعدها حتمية، بينما تقوم، بحسب تحليلها، على الإكراه والصراع الطبقي والظلم.

 

وترى أن العمل نفسه، أو بيع الإنسان قوة عمله، يحمل طابعاً استغلالياً، وأن التقشف يظل سمة أساسية للمجتمعات الحديثة، حتى مع التوسع الكبير في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، لأنه يخدم مصالح النخب الاقتصادية في نهاية المطاف.

 

وتذهب الكاتبة إلى أن العامل المعاصر قد يشعر بحرية أكبر مقارنة بأقنان العصور الوسطى، لكن هؤلاء، على حد تعبيرها، كانوا يمتلكون وسائل إنتاجهم، وهو ما فقده العامل في ظل النظام الرأسمالي.

 

ينضم الكتاب إلى موجة متنامية من المؤلفين المتشككين في أفكار السوق الحرة التقليدية، ومن بينهم غاري ستيفنسون وغريس بليكلي، إلى جانب الراحل ديفيد غريبر.

 

بيد أن النقد الماركسي الذي تتبناه “ماتّي” يبدو متناقضاً في بعض جوانبه؛ فهو يقر ضمناً بأن الرأسمالية أسهمت في تحقيق تقدم مادي هائل على مدى قرون، ثم يتعامل مع استمرار دافع الربح كما لو أنه ينتقص من أهمية هذا التقدم، بما شمله من تحسن في توافر الغذاء والمأوى ومستويات المعيشة وارتفاع متوسط العمر المتوقع.

 

الضغوط التنافسية

 

ويبرز هذا التناقض عند النظر إلى الدور الذي تؤديه المنافسة في الاقتصاد. فـ”ماتّي” تصف الضغوط التنافسية بألوان إيجابية، وتقر بأن أي خطة مركزية لا تستطيع مجاراة الحركة العفوية للسوق وتعقيداتها.

 

كما تشير إلى أن أصحاب رؤوس الأموال أنفسهم ليسوا أحراراً تماماً في ظل الرأسمالية، إذ يضطرون باستمرار إلى منافسة بعضهم بعضاً. والمفارقة أن هذا الوصف قد يبدو، بالنسبة إلى أنصار السوق الحرة، أقرب إلى الإشادة بقدرة المنافسة على تنظيم النشاط الاقتصادي منه إلى إدانتها.

 

لا يعني ذلك أن الاقتصاد التقليدي معصوم من الخطأ. فمن الضروري أن يتعامل الاقتصاديون بقدر أكبر من التواضع مع افتراضاتهم، خصوصاً بعدما فقد إجماع واشنطن النيوليبرالي كثيراً من نفوذه حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

كما أن الرأسمالية، بوصفها نظاماً اقتصادياً، ليست قديمة قدم التاريخ البشري؛ لكن الأمر نفسه ينطبق على قدرة البشر على النجاة من الطفولة بصورة منتظمة، وهو ما يذكّر بحجم التغير الذي شهدته المجتمعات الحديثة.

 

 

ومع ذلك، يبدو أن إصرار “ماتّي” على الوصول إلى إدانة مسبقة للرأسمالية يضعف قدرتها على تفسير آليات الاقتصاد المعاصر. فالتركيز المفرط على السلطة والصراع قد يقود إلى تفسير المؤثرات الاقتصادية من منظور تآمري، فيما تبدو نظرية العمل للقيمة، التي تشكل أحد مرتكزات النقد الماركسي، أداة غير ملائمة لفهم اقتصاد رقمي تقوده الخدمات والتكنولوجيا. ويشبه استخدامها في تحليل هذا العالم محاولة تفكيك هاتف ذكي بأدوات كيميائي من العصور الوسطى.

 

وتتمثل قوة الكتاب في رفضه المساومة مع رأسمالية اعتقد بعض التقدميين أن بالإمكان ترويضها، بشرط إعادة استثمار الفائض في بناء مجتمع أكثر عدالة. لكن هذه التسوية تبدو أقل إقناعاً اليوم؛ فالإنفاق العام بلغ مستويات ضخمة، ومع ذلك يشعر كثيرون بأن مؤسسات الدولة وخدماتها باتت أقل قدرة على تلبية احتياجاتهم. وفي بريطانيا، تبدو آثار الإخفاقات السابقة والضغوط المتراكمة عائقاً أمام استعادة الزخم اللازم للإصلاح.

 

مجتمع أفضل بأسئلة مالية معلّقة

 

في المقابل، يقدم كتاب “المجتمع الجيد“ لكيت بيكيت رؤية أكثر تفاؤلاً، تقوم على ثلاث أفكار رئيسية. أولها أن الإنفاق على السياسات الاجتماعية الجيدة قد يسترد تكلفته بمرور الوقت؛ فتحسين صحة السكان وظروفهم المعيشية والتعليمية يقلل الحاجة إلى تدخل الدولة المكلف لمعالجة الأزمات بعد وقوعها.

 

أما الفكرة الثانية، فتتمثل في أن عدم المساواة يقف وراء كثير من المشكلات الاجتماعية. فالفقر يرتبط بتدهور الصحة وضعف الإنتاجية وزيادة السلوكيات الضارة، ولذلك ترى بيكيت أن حماية الناس من الفقر قد تكون أكثر فاعلية من تقليص الإنفاق الاجتماعي لتمويل خدمات عامة مثل الرعاية الصحية.

 

وتقوم الفكرة الثالثة على أن حلولاً لمشكلات المجتمع موجودة بالفعل في دول مختلفة. ففنلندا تقدم تجارب ناجحة في التعليم، وآيسلندا في التعامل مع الإنهاك النفسي، وهولندا في الرعاية الاجتماعية. ومن هنا، يطرح الكتاب سؤالاً عملياً: لماذا لا تستفيد الحكومات من أفضل التجارب الدولية وتجمعها في نموذج واحد؟

 

تقليص الإنفاق العام

 

و”بيكيت”، المشاركة في تأليف كتاب “مستوى الروح“ الذي تناول فوائد المساواة، ترى أن تقليص الإنفاق العام في بريطانيا خلال العقد الثاني من القرن الحالي يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية عن تراجع الخدمات. ووفقاً لمنطق كتابها، فإن استعادة قدرة القطاع العام على تقديم خدمات جيدة يمكن أن تفضي إلى مجتمع أكثر صحة وسعادة وتعليماً، وتدعم بدورها النمو الاقتصادي الذي يجعل هذا الإنفاق قابلاً للاستمرار.

 

لكن هذا الطرح ينطوي على افتراض أن صانعي السياسات تجاهلوا عواقب التقشف، أو أنهم لم يحسبوا تكلفته الاجتماعية والاقتصادية على نحو كافٍ. والأهم أن الحلول التي يقترحها الكتاب لا تقدم إجابات مقنعة بالقدر نفسه عن السؤال الأكثر حساسية: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذها؟

 

الإنفاق الاجتماعي.. من يدفع الفاتورة؟

 

تضع بيكيت الدخل الأساسي الشامل في صدارة الحلول، وهو برنامج يمنح الأفراد دخلاً منتظماً بصرف النظر عن وضعهم الوظيفي. لكنها لا تتوسع في توضيح تكلفته المالية. ووفق تقدير تقريبي يورده الناقد، فإن منح 75 جنيهاً إسترلينياً أسبوعياً لكل بالغ في بريطانيا دون سن التقاعد قد يكلف نحو 160 مليار جنيه سنوياً.

 

 

كما يقترح الكتاب فرض ضريبة على الثروة، من دون تحديد آلية قادرة على توفير إيرادات تقترب من هذا الحجم، فضلاً عن تمويل مقترحات أخرى، تشمل الرعاية الاجتماعية وإجازات الوالدين. ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى واقعية البرنامج، خصوصاً في ظل الصعوبات السياسية التي تواجهها الحكومات عند محاولة زيادة الضرائب، حتى عندما تكون الزيادة محدودة نسبياً.

 

ومن السهل النظر إلى قدرة الدخل الأساسي الشامل على الحد من فقر الأطفال بوصفها مكسباً اجتماعياً مهماً، لكن تقييم هذه الفائدة لا ينفصل عن تكلفتها والخيارات التي يتعين على الحكومة التضحية بها لتمويلها. كما أن الكتاب، رغم اعتماده على الأدلة والأبحاث، لا يمنح اهتماماً كافياً لحقيقة أن النظام الضريبي البريطاني يتسم بالفعل بدرجة من التصاعدية، وأن زيادة الأعباء الضريبية قد تكون لها آثار في النشاط الاقتصادي والاستثمار.

 

جدل أحادي الاتجاه

 

مع ذلك، تذكّر “بيكيت” بأن النقاش حول الإنفاق العام ينبغي ألا يتحول إلى جدل أحادي الاتجاه. فحتى لو كانت بعض مقترحاتها أقل إقناعاً من حيث التمويل، فإنها تثير أسئلة مهمة بشأن كلفة إهمال الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وبشأن العائد المحتمل من الاستثمار المبكر في معالجة المشكلات بدلاً من تركها تتفاقم.

 

لكن قوة الحجة تتراجع عندما تستند الإجابات عن القضايا المعقدة إلى الاستشهاد بأكاديميين يتفقون معها، من دون التعامل بالقدر الكافي مع الآراء المخالفة أو المخاوف المتزايدة لدى الناخبين بشأن الضرائب. فزيادة الإنفاق والضرائب قد تكون خياراً مشروعاً، لكنها تصبح أكثر إقناعاً عندما تقترن بمصارحة واضحة بشأن التحديات السياسية، واحتمالات التأثير السلبي في الاقتصاد.

 

ومن ثم، يذكّر الكتابان بأهمية بناء مجتمع يوفر الرعاية الصحية الجيدة والتعليم وفرصاً أفضل للفئات الأقل دخلاً. لكن الدعوة إلى تحقيق ذلك عبر زيادات ضريبية ضخمة، أو عبر الإطاحة بالرأسمالية، لا تقدم وحدها خريطة عملية للوصول إلى الهدف. فالمجتمع المثالي قد يكون ممكناً، لكن بلوغه يتطلب خطوات تدريجية قابلة للتنفيذ، وتوازناً بين الطموح الاجتماعي والقدرة المالية، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص الأزمة أو طرح حلول تتجاوز إمكانات التطبيق.

 

المصدر: “فاينانشال تايمز”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *