التخطي إلى المحتوى

جلست أمام الشاشة أتابع ما تبقى من ملامح الإعلام العراقي، وأمضغ مرارة حزن لا يتعلق ببرنامج بعينه، بل بزمن كامل أخذ يتراجع أمام عيني. تنقلت بين القنوات، وتبدلت الوجوه والعناوين، لكن المشهد ظل واحداً تقريباً؛ أصوات مرتفعة، وخلافات مصطنعة، وحوارات تبدأ بالصراخ وتنتهي دون أن تضيف إلى عقل المشاهد فكرة تستحق التأمل. وكأننا أمام ولاية من العبث الإعلامي، يتولى إدارتها من يعتقدون أن إثارة الضجيج تكفي لصناعة برنامج ناجح، فيما يبقى المواطن العراقي، المغلوب على أمره، متفرجاً على مشهد يُفترض أنه صُنع من أجله.

ما الذي أصاب الشاشة العراقية؟ وكيف انتقلنا من إعلام كان يحترم عقل المشاهد إلى برامج يتنافس بعضها على استنزاف أعصابه؟ وهل تراجعت ذائقة الجمهور فعلاً، أم أن بعض القائمين على صناعة المحتوى قرروا أن يقدموا له ما يريدون تسويقه، ثم أقنعوه بأن هذا هو الإعلام الذي يستحقه؟

أثارت هذه الأسئلة في ذاكرتي مشاهد من زمن لم تكن فيه كثرة القنوات معياراً للتقدم، ولم تكن نسب المشاهدة وحدها شهادة على جودة المحتوى. كان البرنامج يُعرف بما يتركه في عقل المتلقي، لا بعدد المشاجرات التي يشعلها بين ضيوفه.

تابعت أخيراً أحد البرامج الرياضية العراقية، فوجدت أن عدوى الانقسام السياسي قد تسللت حتى إلى الملاعب. محللون ورياضيون موزعون على جبهتين، ومقدم يتقاسم إدارة الخلاف بين طرف يقول وآخر يعارض، ثم ترتفع الأصوات حتى تضيع كرة القدم بين الاتهامات والانفعالات. لم يعد النقاش يدور حول خطة لعب أو أداء فريق أو مستقبل الرياضة، بل أصبح نسخة أخرى من السجال السياسي، مع اختلاف أسماء المتخاصمين.

يا لها من عدوى غريبة، بدأت بالسياسة ثم امتدت إلى الثقافة والفن والأدب، حتى وصلت إلى الرياضة التي كانت، رغم كل التنافس، مساحة يجتمع فيها العراقيون أكثر مما يفترقون.

أمام ذلك المشهد، عادت بي الذاكرة إلى مؤيد البدري وبرنامجه الشهير “الرياضة في أسبوع”. لم يكن الرجل بحاجة إلى استضافة خصمين يتبادلان الصراخ كي يشد الجمهور إلى الشاشة. كانت معرفته وثقافته وأسلوبه الهادئ كافية لتجعل العائلة العراقية تنتظر برنامجه بشغف. كان يقدم الرياضة بذائقة فنان ودقة إعلامي، ويمنح المشاهد متعة الفهم قبل متعة التشجيع. لم تكن الشاشة يومذاك بحاجة إلى الفوضى كي تثبت أنها حية.

ثم حملتني الذاكرة إلى الأستاذ كامل الدباغ وبرنامج “العلم للجميع”. قبل أن تدخل قنوات ديسكفري وناشيونال جيوغرافيك إلى بيوتنا، كان ذلك الرجل يأخذنا في رحلات معرفية إلى عالم الاختراعات والاكتشافات وأسرار الطبيعة. كنا ننتظر ما سيقوله عن تطور علمي أو ابتكار جديد، ونغادر البرنامج ونحن نحمل سؤالاً أو معلومة أو رغبة في المعرفة. كان الإعلام يؤدي وظيفة لا تقل أهمية عن المدرسة، ويجعل العلم جزءاً من الحديث اليومي للعائلة العراقية.

أما الدراما، فلها في الذاكرة وجع آخر. من “النسر وعيون المدينة” إلى “الأماني الضالة”، كانت الأعمال العراقية تقترب من المجتمع، وتدخل إلى تفاصيله وتناقضاته، وتناقش السلطة والفقر والعلاقات الإنسانية والصراع بين القيم والمصالح. كانت الشخصيات تشبه الناس، وكانت الحكايات تترك أثراً يتجاوز موعد عرض الحلقة.

اليوم، تبدو بعض الأعمال وكأنها فقدت الثقة بقوة الحكاية، فاستعاضت عن عمق النص بالمبالغة، وعن بناء الشخصية بالإثارة، وعن معالجة مشكلات المجتمع باستعراض الجسد والمظاهر. ولا تكمن المشكلة في الجرأة الفنية، فالدراما الجيدة لا تخشى تناول أكثر القضايا حساسية، وإنما في تحويل الجرأة إلى غاية مستقلة عن الفكرة، وكأن المشاهد لم يعد يستحق قصة متماسكة أو أداءً يقنعه.

وليس من الإنصاف القول إن الإعلام العراقي فقد جميع كفاءاته، فما زالت فيه أسماء وتجارب تستحق الاحترام، وصحفيون ومخرجون ومعدّون يحاولون حماية ما تبقى من قيمة المهنة. لكن وجود الاستثناءات لا يلغي حقيقة أن جزءاً من المشهد الإعلامي أصبح أسيراً لمعادلة خطيرة: كلما ارتفع الصوت زادت فرص الانتشار، وكلما اشتد الخلاف ارتفعت احتمالات اقتطاع المشهد وتداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.

هنا تحديداً تكمن الأزمة. فقد تحول بعض مقدمي البرامج من إدارة الحوار إلى إدارة الاشتباك، ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن اللحظة الأكثر إثارة. وأصبح الضيف الهادئ أقل جاذبية من الضيف الغاضب، وصارت المقاطعة مهارة، والاستفزاز شطارة، فيما تراجعت المعرفة إلى مقعد المتفرج.

الأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يسيء إلى المهنة وحدها، بل يؤثر تدريجياً في الذوق العام. فالإعلام لا يعكس المجتمع فحسب، وإنما يشارك في تشكيل لغته وطريقة اختلافه وحدود احترامه للرأي الآخر. وإذا اعتاد المشاهد أن يرى الصراخ وسيلة للإقناع، والإهانة دليلاً على القوة، فلن تبقى آثار ذلك محصورة داخل الاستوديو.

لم تكن برامج الماضي عظيمة لأنها قديمة، ولا تستحق برامج الحاضر الإدانة لمجرد أنها حديثة. فالعبرة ليست في الزمن، بل في القيمة التي يقدمها كل زمن. وما نحتاج إليه ليس استعادة شاشة الأبيض والأسود، وإنما استعادة العقل الذي كان يقف خلفها؛ عقل يحترم المعرفة، ويؤمن بأن الإعلام مسؤولية ثقافية واجتماعية قبل أن يكون تجارة إعلانية أو سباقاً على المشاهدات.

إن إصلاح هذا الواقع يبدأ من إعادة الاعتبار للمعدّ الجيد، والمقدم المثقف، والنص الدرامي المحترم، ومن إدراك المؤسسات الإعلامية أن نجاحها لا يقاس بما تثيره من خصومات، بل بما تضيفه إلى وعي الناس.

وأعود إلى سؤالي الأول، وأنا أتأمل شاشة اتسعت مساحتها وضاقت في بعض زواياها مساحة الفكر: كم يحتاج جسد الإعلام العراقي من علاج ليتعافى من مرض استنزف كثيراً من عافيته؟

ربما تكون الإجابة أكثر إيلاماً من السؤال؛ فالمشكلة ليست أننا لم نعد نملك مؤيد البدري أو كامل الدباغ، بل أننا لم نعد نمنح أمثالهما المكانة التي يستحقونها.

لقد كان الإعلام العراقي يصنع نجوماً من المعرفة، أما اليوم، فإن بعض برامجه تصنع الشهرة من الخلاف. وبين النجومية والشهرة مسافة تختصر حكاية الانتقال من العظمة إلى الإسفاف.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *