توجّع الشاعر القديم منذ أكثر من أربع عشر قرنا حين قال عن الناس:
إذا رأوا سبّة طاروا بها فرحا عنى وما علموا من صالح دفنوا.
ويظهر أن المسألة غريزية تُلازم البشرية منذ حظيت بالوجود إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، فنحن الآن نشهدُ من تطبيقها العملي ما يجعلها حقيقةً لا شك فيها، ولعلماء النفس، أن يختلقوا لها من التبريرات مالا يعجزهم في شيء، أما نحنُ فسنستنطق الواقع الملموس . حين نكونُ في مجلس من المجالس كبر أصحابه أم صغروا ثم يأتي حديث مكرمة من المكارم لإنسان فاضل، فيمر الحديث عابرا لا تعقيب عليه، بل تري في بعض الوجوه ما يدل علي التبرم القابضِ، وكأن هذا المتبرم المنقبض يستشعر أن مدح غيره هو في ذاته انتقاص له، إذ لم يأت بما أوتى هذا الكريم من فضل. أما إذا ذُكرت هنة من الهنات تُلصق بمن نعرفُ أو بمن نجهل، فالأسماع متيقظة، والأفواه منطلقة والتعقيبات لا تقف عند حد، ثم ينتقلُ الأمر إلى مجالس شتّى حتى يصبح وكأنه حدث الأحداث! أليس شاعرنا القديم قد عبّر عن هذا الواقع أصدق تعبير! ولأن هناك شعراء ذكروا ذلك ومثله كان هذا المقال.
و بداية القول، فقول حسان بن ثابت:
وإن امرْأً أمسى وأصبح سالماً من الناس- إلا ما جني- لَسعيدُ
أما أبو العتاهية فيقول:
فيارب إن الناس لا ينصفونني فكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه وإن جئت أبغي شيئهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أن لم أبذل لهم شتموني
وإن وجدوا عندي رخاء تقربوا وإن نزلت ني شدة خذلوني
وإن طرقتني نكبة فكهوا بها وإن صحبتي نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحن إليهمو وأحجب عنهم ناظري وجفوني.
ويقول:
حتى كأن الناس كلهم قد أُفرغوا في قالب واحد.
ويقول المتنبي:
ودهر ناسه ناس صغار وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام.
وكان المتنبي ينظر إلي صداقة الناس نظرة الشك والريبة وهو يضع قاعدة ذهبية للصفاء الإنساني تقوم علي اختيار المعدن في الشدائد والنوائب ‘إنه يري أن ود الناس قد صار خداعاً براقاً ، فلما صار الأمر كذلك ذهب الشاعر إلى مجاراتهم فيجزي علي الابتسام بالابتسام دون أن يعبّر ذلك عن الود:
ولما صار ود الناس خبا جزيت علي ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن اصطفيه فعلمي أنه بعض الأنام
يحب العاقلون علي التصافي وحب الجاهلين علي الوسام
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين علي التمام.
ويقول ابن المعتز:
وما خفنا من الناس وهل في الناس إنسان؟.
أما ابن ظافر فيقول:
قد استوي الخلق حتى ما ترى أحدا إلا وفيه على إخوانه ضرر
فجانب واحذرهم وكنْ رجلاً لم يُرْضيه منهم أنثى ولا ذكرُ.
أما علي بن الجهم فيقول:
تَوَقَّ الناس يا ابن أبي وأمي فهم نبع المخافة والرجاء.
ألم تر مُظْهِرِين عليّ عَتْباً وكانوا أمس إخوان الصفا!
بُليتُ بنكبةٍ قَعَدوْا وراحوا عليَّ أشد أسبابِ القضاء.
أما دعبل الخزاعي فيوجه هجاءه للناس عامة ،ولم يخصه بأشخاص محددين فيقول:
ما أكثر الناس! لا بل ما أقلهُمُ الله يعلم أنى لم أقل فندا
إني لأ فتحُ عَيْني حِينَ أفتحها على كثيرٍ،ولكنْ لا أرى أحدا.
ويقول أبو نواس عن الناس:
مالي وللناس كم يَلْحونني سَفَهاً ديني لنفسي ودين الناس للناس.
أما الإمام الشافعي فيستحضر ذكر الكلاب في سياق التعبير عن السخط علي فساد أحوال الناس حيث يقول:
ليت الكلاب لنا كانت مجاورة وليتنا لا نري ممن نري أحداً
إن الكلاب لتهدأ في مرابضها والناس ليس بهادٍ شرهم أبدً
فانجٌ بنفسك واستأنس بوحدتها إن السعيد الذي قد عاش منفرداً.
أما السهروردي فيقول بعد أن زج به في السجن بيد أقرب الناس إليه واصفاً حال دنياه:
تولت بهجة الدنيا فكل جديدها خلق
وخان الناس كلهم فما أدري بمن أثق
فلا حسب ولا نسب ولا دين ولا خلق
فلست مصدق الأقوام في شيء وإن صدقوا.
أما ابن المرزبان، المتوفى سنة 388هـ فقد ساءت الأوضاع في عصره وساءت لذلك أخلاق الناس، فأراد أن يعبر عن سخطه ونقمته علي أوضاع عصره التي ظلت تنحدر إلى السوء ،فوضع كتاب يعتبر من طرائف الكتب واسماه ” تفضيل الكلاب علي كثير ممن لبس الثياب” قال فيه هذان البيتان علي لسانه:
ذهب الناس وانقضت دولة المجد فكلُ إلا القليل كلاب
إن من لم يكن على الناس ذئباً أكلته في ذا الزمان الكلاب.
وقال أعرابي:
أيا مالك لا تسأل الناس والتمسْ يكفيك فضل الله فالله أوْسَعُ
ولو تسأل الناس الترابَ لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يحّلُوا ويمنعوا.
وقال أبو العلاء المعري:
ما كان في عقلاء الناس (لي) أمل فكيف أملّتُ( خيراً) بالمجانين.
وقال منصور التميمي:
الناس بحر عميق والبعد عنهم سفينة.
ويقول ابن فارس عن أخلاق الناس في عصره:
اسمع مقالة ناصح جمع النصيحة والمقة
إياك واحذر أن تبيـ ـت من الثقات علي ثقة.
لذا فخير له العزلة عن الناس، والإتناس بما تيسر من وسائل الأنس، سراج يضيء له أو كتاب يقرأ فيه، أو قطة يلهو بها وينادمها:
نديمي هرتي وسرور قلبي دفاتر لي ومعشوقي السراج.
أما الشاعر السكوني العبدي فكان يري أن الخير منقطع عند الناس، والشر طبع فيهم:
الخير جل الناس عنه محجم والشر طبع في الورى متقدم
لم ينههم إسلامهم عن مأثم فيه العقوبة بل عليه أقدموا.
وقال شاعر:
ولما أتيت الناس أطلب عندهم أخا ثقة عند ابتلاء الشدائد
تقلبت في دهري رخاءً وشدة وناديت في الأحياء : هل من مساعد؟
فلم أرَ فيما ساءني غير شامت ولم أر فيما سرني غير حاسد.
ويقول أبي عبد الله السدوسي عن الناس عندما رأى أنهم لم يعودوا كما كانوا:
ذهب الذين هم الغياث المنزل وبقي الذين هم العذاب المنزل
وتقطعت أرحام أهل زماننا فكأنما خلقت لئلا توصل
الناس مشتبهون من كشفته منهم كشفت عن الذي لا يجمل
أما الفقير فحاسد متفطر حسداً وأما ذو الثراء فيبخل.
ويقول الشاعر محمد العدناني ، في قصيدة بعنوان الناس :
قد حرت كيف أسوس الناس قاطبة وكيف أطفئ حقد الصدر مضطرما
لئن شممت شذا من نبل بعضهم فجُلّهم من فؤادي قد أسال دما
وان كبحت لساني عن مثالبهم تعففا ،قيل: يخشى البطش والنِقّما
وإن تصاممت عما أرجفوا ، حسبوا – يا للغباوة- أني أشتكي الصمما
وان تغاضيت عن لؤم به نكبوا راحوا يذيعون إني مبتلى بعمى
وان رددت الأذى الطامي لنحرهم قالوا: فتى الشعر للخلان قد ظلما
قد حرت في أمرهم، لا در درهم ولا إلى الشر يوما حركوا قدما
فليغفر الله ما قالوا ، وما اجترحوا من المآثم ، مهما إثمهم عظما
فإن صدري رحب لا يضيق بما يأتون من منكر مهما طمى وطما
إني تعودت من دهري مدى عُمُري إن اشرب الصاب من كأسيه والألما
ومن بلا الناس مثلي ، لا يقيم لهم وزناً ، إذا التهبت أحقادهم حمما
فمن أتى البحر بالنيران يضرمه رآه يطفئ غيظ الجمر محتدما
والحلم كالفجر أن وافت مواكبه راحت تبدد من جيش الدجى الظلما.
قد لا يكون الأمر الحقيقي بهذه القتامة التي نطالعها في هذه الأشعار فقد يكون الأمر أن الشعراء يميلون بفطرتهم إلى إسقاط أمراض العصر على الناس أو بتعبير آخر، قد يفزعون من هجو الحكام إلى هجو المحكومين وذم الزمان، وفى جميع الأحوال فإن ذلك كله تعبير عن نفسية قلقة خاصة إذا عاش الشاعر بين قوم لا يعرفون قيمته ولا يقدرون فنه فينتهي به المطاف غاضباً على مجتمعه محتقرا له.

التعليقات