منذ إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي طلب تفويض من البرلمان المصري بإرسال قوات دفاعية إلى السعودية، ولم تتوقف التكهنات حول قراءة أهداف الطلب وتداعياته ومآلاته.
البعض ثمّن التوجه في إطار العلاقة الوثيقة بين الأمن القومي المصري والسعودي والتحديات المشتركة. والبعض الآخر تعامل مع الخطوة بتهوين للدور الذي الدفاعي ستقوم به مصر أو تهويل للمخاطر والتهديدات التي سوف تتعرض لها.
بين هذه النوعية من التكهنات، طفت على السطح رؤية قالت إن الدفاع عن قطاع غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر، والانخراط في حرب مع إثيوبيا، كان أولى من السعودية بحجة أن هذه الأزمات تأثيرها كبير على مصر ومصالحها، وتحتاج إلى وضع حد لتطوراتها السلبية المستمرة منذ سنوات، في إشارة إلى توجيه طلب التفويض العسكري إلى هذه الأماكن باعتبارها نقطة شديدة الحساسية للأمن القومي وتستوجب التحرك في الوقت الراهن لوضع نهاية سريعة لها، كأن مصر تقف صامتة حيالها.
يتجاهل هذا الفريق، عن قصد أو جهل، الموقف المصري الحاسم من رفض الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الإحتلال الإسرائيلي في غزة والتصدي لمشروع تهجير الفلسطينيين من القطاع إلى مصر، كرهاً أو طوعاً، والإجراءات التي قام بها الجيش لتطوير القدرات القتالية، كماً ونوعاً، في سيناء واتخاذ ما يلزم للدفاع عنها، والاستعداد لرد أي عدون عند المساس بالأمن القومي.
الأمر أحدث إزعاجا داخل إسرائيل، واحتجاجات عكستها تصريحات مسؤولين فيها حول الخطوات العسكرية التي قامت بها الدولة المصرية، التي تؤكد محورية القضية الفلسطينية في الرؤية الإقليمية.
كما أغمض الفريق نفسه عينيه عما قامت به مصر نحو ليبيا، التي تمثل ركنا أساسيا من الاتجاه الإستراتيجي الغربي للأمن القومي. وعلى مدار أكثر من خمسة عشر عاما لم تتوقف الجهود الرامية للحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع تقسيمها.
ولم تتوان القاهرة عن تبنى مقاربات متعددة معلنة لردع التدخلات الخارجية وإيجاد حلول لتغول الميليشيات والجماعات المسلحة والمرتزقة في الأراضي الليبية، والسعي نحو زيادة الُلحمة الوطنية وتقريب المسافات بين القوى المختلفة.
لم ينتبه من طالبوا بأولوية الدفاع عن ليبيا قبل السعودية إلى أن اقتتال الأولى داخلى ومناطقى، وتشابكاته متفرقة، ما يفرض التعامل معه بحنكة من دون التورط فيه.
تعمد فريق غزة والأزمات الأخرى أولى من السعودية، الذى أشار نفر منه إلى السودان، تجاهل طبيعة الحرب في السودان ذات الأهمية الفائقة لمصر، وأن طرفاها الجيش وقوات الدعم السريع المنشقة عنه وتحمل أجندة مشبوهة قد تورط السودان في مستنقع التجزئة، تتمنى جر مصر إليها، وهناك جهات خارجية تنتظر هذه الفرصة.
المدهش أن أنصار فريق (السودان أولى) غضوا الطرف عن دور مصر الداعم للمؤسسة العسكرية هناك، والتي سوف يؤدي سقوطها إلى تمكين قوات الدعم السريع ومن يقفون خلفها من السيطرة على مفاصل البلاد أو تجزئتها، وما تقوم به القاهرة من تحركات سياسية على الساحتين الإقليمية والدولية غرضه منع سيناريو التقسيم. بكلام آخر، هذه أزمة لا تتطلب تدخلا عسكريا. كل ما تحتاجه قراءة دقيقة للتوازنات والتعقيدات واختيار الطريقة التي تتواءم مع الحفاظ على الأمن القومي المصري.
لم يمنح فريق غزة وأخواتها أولى من السعودية نفسه فرصة للتعرف على ملامح الأزمة مع إثيوبيا، وقفز عدد من المنتمين إليه على الحقائق، ووصل بعض المحسوبين عليه إلى نتيجة مفادها أن الانتقام عسكريا من الحكومة في أديس أبابا يجب أن يكون بضرب سد النهضة، بلا مراعاة للجوانب الفنية والتبعات الإستراتيجية والأضرار الناجمة، إقليميا ودوليا. المهم أن تنتقم مصر وتوجه كل قوتها نحو إثيوبيا، ولا تظهر دعما للسعودية. يبحث هؤلاء عن مأساة جديدة أكثر من بحثهم عن حل لصراع معقد.
يمكن الاستمرار في سردية غزة وليبيا والسودان وأخواتهم أولى من السعودية إلى أن نصل إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر والصومال وإريتريا، وحتى إسرائيل وإيران، حيث تتحكم في ميول هذا الفريق عواطف نبيلة، ولا أقول تآمر، تجاه بلدهم ويريدون ما يرونه صحيحا ومناسبا لها.
لكن إذا تم العمل بهذا المنهج سوف يؤدى إلى كوارث عديدة، بينما التفويض الخاص بالسعودية محكوم بضوابط ومهمة معينة، لها أهداف خاصة بها، ويراعى التوازنات الإقليمية والمعادلات الدولية المركبة. السعودية وسط عواصف من الشرق والغرب والجنوب.
ما يعني أن هناك حسابات عملية دقيقة لكل أزمة، ترجح شكل المشاركة ونوعيتها وطبيعتها والوسائل الواجب اتخاذها للدفاع عن المصالح الحيوية لمصر، وبعيدا عن المشاعر التي اكتنفت شريحة من المتابعين للأزمات، وقرر أصحابها رسم خريطة عسكرية لتوجهات الدولة.
قد يكون اجتهاد هؤلاء مُستحسن في الأمور المدنية وعندما تتوافر معلومات كافية، في حين القضايا العسكرية والمصيرية لها رؤيتها وناسها، لأن الجزء الغاطس منها في غاية الخطورة، ويلعب دورا مهما في تحديد الأولويات.
يحتاج الحديث عن الأزمات الإقليمية تفرقة بين كل أزمة ومعرفة الملابسات التي تحيط بها، في وقت انتشرت فيه الصراعات بصورة مخيفة حول مصر، ما يقود إلى مزيد من الحذر، إذ يمكن الانخراط في أزمة بسهولة، إلا أن الخروج يتطلب رؤية ثاقبة ودراية كاملة بالتفاصيل وتقديرات واضحة للعواقب. تفرض السيولة الطاغية على المنطقة درجة عالية من المرونة وقدرة على التعامل مع النتائج المحتملة.
يصعب القطع بأن الحرب بين السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثي) تنحصر في الطرفين فقط، لأن هناك أطرافا تحركه.، تعمل على توسيع مجالاتها والقوى المشاركة فيها. تميل الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة قاصمة إلى إيران، وربما ترد الأخيرة بصورة مزعجة وتحرض الحوثي على مساندتها عبر مزيد من ضرب الأهداف المدنية في السعودية أو غلق مضيق باب المندب وارباك الملاحة في البحر الأحمر.
تطرق الرئيس عبدالفتاح السيسي لملف إرسال القوات المصرية مرة أخرى يوم الأربعاء (21 أكتوبر) وشدد على أن دورها الدفاع عن السعودية، ولا مجال للقيام بمهام هجومية، لأن المنطقة حافلة بصراعات من السهولة تشتد وتخرج عن نطاق السيطرة وتتجاوز الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران واليمن والخليج برمته.

التعليقات