5 أسئلة تكشف نقاطك العمياء كقائد
عندما تتعثر نتائج فريق ما، يتجه التفكير غالبًا إلى البحث عن الخلل في أداء الموظفين أو في آليات العمل أو في مستوى التواصل والمساءلة. لكن في كثير من الأحيان، قد يكون جزء من المشكلة موجودًا في مكان آخر تمامًا: أسلوب القيادة نفسه.
المشكلات المتكررة لا تعني بالضرورة أن الفريق يضم أشخاصًا غير أكفاء أو غير ملتزمين. وعندما يظهر التحدي نفسه مع أكثر من موظف، أو في مواقف مختلفة، يصبح من الضروري أن يتوقف القائد أمام دوره في صناعة هذا النمط أو استمراره.

من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ“التدقيق العاطفي للأنماط“، وهو أسلوب يساعد القادة على اكتشاف النقاط العمياء في طريقة تفكيرهم وسلوكهم قبل أن تتحول إلى عوائق أمام أداء الفريق.
ولا يتعلق الأمر بإلقاء اللوم على القائد بدلًا من الموظفين، وإنما بتوسيع دائرة المسؤولية والنظر إلى المشكلة من زاوية أكثر شمولًا.
فيما يلي خمسة أسئلة يمكن أن تساعد القادة على إجراء هذه المراجعة.
|
5 أسئلة لمراجعة أسلوبك كقائد
|
|
|
1- ما المشكلة التي تتكرر باستمرار؟
|
يُعد الوعي بالذات من أهم أدوات القيادة الفعالة، لأنه يساعد القائد على فهم الطريقة التي يتصرف بها في الظروف الطبيعية، وكيف تتغير ردود أفعاله عندما يتعرض للضغط.
ومن الأدوات التي يمكن الاستعانة بها لفهم هذه الأنماط نماذج تحليل الشخصية، ومنها “إنياجرام“، الذي يركز على اختلاف السلوك بين حالات الاستقرار والضغط.
لكن الأهم من الأداة نفسها هو القدرة على ملاحظة التكرار. فعندما يظهر الإحباط نفسه بصورة متكررة، ينبغي ألا يُنظر إلى كل واقعة باعتبارها حالة منفصلة.
وإذا تكرر التحدي مع أشخاص مختلفين أو في ظروف متعددة، فقد يكون من المفيد البحث عن عامل مشترك يجمع هذه الحالات.
قد تبدو كل مشكلة منفردة قابلة للتفسير، لكن تكرارها يمكن أن يكشف عن خلل أعمق في طريقة الإدارة أو توزيع المسؤوليات أو أسلوب التواصل.
لذلك، بدلًا من الاكتفاء بالسؤال: “من تسبب في المشكلة؟“، ينبغي طرح سؤال آخر أكثر عمقًا: “ما النمط الذي يجعل هذه المشكلة تتكرر؟”
فالتركيز على النمط يساعد على الانتقال من معالجة الأعراض إلى فهم الأسباب.
|
|
2- ما الدور الذي يمكن أن يلعبه القائد في استمرار هذا النمط؟
|
هذه النقطة تتطلب قدرًا كبيرًا من الصراحة؛ لأن الاعتراف بأن القائد قد يكون جزءًا من المشكلة ليس سهلًا دائمًا.
قد يعتقد المدير، على سبيل المثال، أن لديه مشكلة في التفويض لأن المهام التي يسندها إلى الموظفين تعود إليه مرة أخرى. لكن المشكلة قد لا تكون في قدرة الفريق على تحمل المسؤولية، بل في الطريقة التي يفهم بها القائد دوره.
فالقائد الذي يتدخل باستمرار في التفاصيل، أو يعيد تنفيذ المهام بنفسه، أو يراجع كل قرار صغير، قد يرسل رسالة غير مقصودة مفادها أن المسؤولية النهائية تظل في يده.
وبمرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف شعور الموظفين بالملكية والاستقلالية.
ويمكن تشبيه الأمر بشخص يقف دائمًا خلف الكاميرا أثناء التقاط الصور العائلية؛ فهو ينظم المشهد ويحدد أماكن الجميع ويتأكد من أن كل شيء يسير كما ينبغي، لكنه لا يكون حاضرًا فعليًا في اللحظة.
في بيئة العمل، قد يقع القائد في السلوك نفسه: ينشغل بإدارة كل شيء بدلًا من التركيز على مسؤولياته الأساسية كقائد.
وهنا يصبح السؤال الضروري: هل يطالب القائد فريقه بتحمل المسؤولية، بينما لا يمنحه المساحة الكافية لفعل ذلك؟
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب المسؤولية لدى الفريق، وإنما في صعوبة القائد في التخلي عن السيطرة.
|
|
3- هل يتوقع القائد من فريقه مستوى الالتزام نفسه الذي يشعر به؟
|
من أكثر مصادر الإحباط الإداري شيوعًا افتراض أن جميع العاملين يجب أن ينظروا إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي ينظر بها إليها صاحب العمل أو المدير. لكن هذا التوقع غير واقعي.
قد يكون الموظف ملتزمًا بعمله، ومؤمنًا برسالة المؤسسة، وحريصًا على تحقيق نتائج جيدة، من دون أن يشعر بالدرجة نفسها من الارتباط العاطفي أو المالي أو الشخصي التي يشعر بها المالك.
وهذا لا يعني أن الموظف أقل التزامًا، بل يعني أن طبيعة الالتزام مختلفة.
صاحب المؤسسة ينظر عادة إلى الصورة الكاملة: الإيرادات، والاستدامة، والسمعة، والنمو، والمخاطر، والمستقبل. أما الموظف، فينظر إلى العمل من موقع مختلف، تحكمه مسؤوليات وأهداف وحوافز مختلفة.
ولهذا، فإن قياس التزام العاملين بناءً على مدى تطابق مشاعرهم مع مشاعر القائد قد يؤدي إلى أحكام غير عادلة.
وقد يشعر المدير بالإحباط لأن أحد أعضاء الفريق لا يبدي القدر نفسه من الحماس أو الإلحاح، رغم أن الموظف يؤدي عمله بكفاءة ويلتزم بمسؤولياته.
المشكلة هنا قد لا تكون في الموظف، وإنما في معيار القياس نفسه.
فالقيادة الناضجة لا تتطلب من الجميع التفكير بالطريقة نفسها، وإنما تركز على وضوح الأهداف والمسؤوليات والنتائج المطلوبة.
وفي بعض الأحيان، تكون المراجعة الحقيقية التي يحتاج إليها القائد هي تعديل توقعاته، وليس محاولة تغيير الأشخاص.
|
|
4- من يملك الشجاعة لإخبار القائد عندما يخرج عن المسار؟
|
يحتاج كل قائد إلى أشخاص قادرين على رؤية ما قد لا يراه بنفسه.
فالقيادة تمنح صاحبها سلطة اتخاذ القرار، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه نوعًا من العزلة عن بعض الحقائق اليومية. وكلما ارتفع موقع المسؤول، زادت احتمالية وصول المعلومات إليه بعد أن تمر عبر عدة مستويات.
لذلك، يصبح وجود أشخاص قادرين على تقديم ملاحظات صريحة أمرًا بالغ الأهمية.
وقد يكون هؤلاء الأشخاص من داخل المؤسسة أو خارجها، لكن المهم أن تكون لديهم القدرة على قول الحقيقة، وليس مجرد تأكيد ما يريد القائد سماعه.
فالقائد الذي يحيط نفسه بأشخاص يوافقونه دائمًا قد يشعر بالراحة، لكنه يخاطر بفقدان مصدر مهم للمعلومات.
أما القائد الذي يسمح بالاختلاف ويشجع على تقديم الملاحظات الصعبة، فإنه يخلق بيئة تساعد على اكتشاف الأخطاء في وقت مبكر.
ومن المفيد أن يسأل القائد نفسه بانتظام: من يستطيع أن يخبرني بأنني مخطئ؟ ومن أثق به بما يكفي لأستمع إليه حتى عندما تكون ملاحظته غير مريحة؟
وجود هذه الأصوات لا يمثل تهديدًا للسلطة، بل يمثل أحد عناصر القيادة القوية.
|
|
5- هل يتصرف القائد بناءً على نية واضحة أم بدافع العادة؟
|
بعد اكتشاف نمط متكرر، تأتي الخطوة التالية: تحديد ما إذا كان هذا النمط قابلًا للتغيير.
هناك سلوكيات يمكن تحسينها من خلال التدريب والممارسة وبناء أنظمة أفضل. يمكن للقائد أن يتعلم التواصل بوضوح أكبر، وأن يحسن عملية التفويض، وأن يضع حدودًا أكثر وضوحًا للتدخل في التفاصيل، وأن يصبح أكثر وعيًا بتأثير الضغط على قراراته.
وفي المقابل، هناك سمات أساسية في شخصية القائد قد لا تتغير، مثل الطموح أو التفكير المستقبلي أو الاهتمام الشديد بالأشخاص والنتائج.
الهدف من التطور القيادي ليس تحويل الشخص إلى نسخة مختلفة من نفسه، وإنما تنقيح العادات التي تعوق أداءه، مع الحفاظ على نقاط القوة التي تمنحه فعاليته.
فالقائد صاحب الرؤية لا يحتاج إلى التخلي عن رؤيته، لكنه يحتاج إلى التأكد من أن التركيز على المستقبل لا يجعله يتجاهل مشكلات الحاضر.
والقائد الذي يهتم بالتفاصيل لا يحتاج إلى فقدان هذه الميزة، لكنه يحتاج إلى معرفة متى تصبح المتابعة الدقيقة تدخلًا يعيق الفريق.
|
من الوعي إلى الفعل
اكتشاف المشكلة ليس سوى المرحلة الأولى. فالوعي وحده لا يؤدي إلى تغيير ما لم يتحول إلى خطوات عملية قابلة للقياس.
ومن الأخطاء الشائعة أن يحاول القائد معالجة جميع نقاط الضعف في الوقت نفسه. فإذا اكتشف وجود مشكلات في التفويض والتواصل وإدارة الاجتماعات والتعامل مع الخلافات، فقد يميل إلى وضع خطة شاملة لتغيير كل هذه الجوانب دفعة واحدة.
لكن هذا الأسلوب غالبًا ما يؤدي إلى نتائج محدودة.
الأفضل هو اختيار ما لا يزيد على ثلاثة إجراءات عملية والتركيز عليها لفترة كافية.
فإذا كانت المشكلة هي غياب الوضوح، فيمكن اعتماد قاعدة تنص على إنهاء كل اجتماع بتحديد المسؤوليات والخطوات التالية بوضوح.
وإذا كان التفويض يمثل تحديًا، فيمكن اختيار مسؤولية واحدة وتسليمها بالكامل إلى أحد أعضاء الفريق، مع تحديد النتائج المطلوبة بدلًا من مراقبة كل خطوة.
أما إذا كان الضغط يؤثر في طريقة اتخاذ القرارات، فقد يكون من المفيد الاستعانة بزميل موثوق يستطيع التنبيه إلى اللحظات التي يبدأ فيها القائد بالتصرف تحت تأثير التوتر بدلًا من التصرف بوعي وهدوء.
لكن التغيير الحقيقي يحتاج أيضًا إلى الاستماع إلى الأشخاص الذين تأثروا به.
فبعد تطبيق أي تعديل، من المهم العودة إلى أعضاء الفريق وسؤالهم عما إذا كانوا يلاحظون فرقًا، وما إذا كانت هناك مشكلات لا تزال قائمة أو جوانب لم ينتبه إليها القائد.

دوائر التغذية الراجعة
وهنا تظهر أهمية إنشاء دوائر مستمرة للتغذية الراجعة، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات الشخصية.
في النهاية، القادة الأكثر قدرة على التطور ليسوا أولئك الذين لا يملكون نقاطًا عمياء؛ فهذا غير واقعي. وإنما أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لاكتشافها، والاستعداد للعمل عليها، والصدق في قياس نتائج التغيير.
وقبل توجيه السؤال إلى الفريق: “لماذا لا يعمل هذا الأمر؟“، قد يكون من الأجدى أن يبدأ القائد بسؤال نفسه: “هل هناك شيء أفعله أنا، من دون أن أدرك، ويسهم في استمرار المشكلة؟”.
ففي كثير من الأحيان، لا تبدأ عملية تحسين الفريق بتغيير أفراده، وإنما بتغيير الطريقة التي يقودهم بها المسؤول عنهم.
المصدر: “إنتربرونور”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات