اقتصاد التكيف المناخي .. رهان المستقبل
لم يعد التغير المناخي مجرد تحدٍ بيئي تتعامل معه الحكومات عبر خفض الانبعاثات، بل أصبح عاملاً يعيد رسم خريطة الأسواق والاستثمارات، ويفرض على الشركات والمدن والأسر البحث عن حلول عملية للتكيف مع عالم ترتفع حرارته وتتزايد فيه مخاطر الفيضانات والحرائق والظواهر الجوية المتطرفة.
وبينما تفرض هذه التحولات أعباء اقتصادية متنامية، فإنها تفتح في الوقت نفسه أسواقاً جديدة بمليارات الدولارات، تمتد من أنظمة التبريد والطاقة الشمسية إلى مواد البناء المقاومة للمناخ والزراعة المتطورة.

وفي هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ«اقتصاد التكيف المناخي» بوصفه مجالاً استثمارياً واعداً، تتزايد أهميته للشركات والمستثمرين وصنّاع السياسات.
التكيف المناخي.. من المخاطر إلى الفرص
أصبحت الجوانب الاقتصادية للتكيف مع تغير المناخ ترتبط بصورة متزايدة بالابتكار والفرص الاستثمارية، إلى جانب المخاطر. ولا يرجع ذلك إلى تراجع المخاطر المناخية، بل إلى قدرة العديد من الشركات على توفير سلع وخدمات تلبي احتياجات العالم المتأثر بالتغير المناخي، على أن تكون ميسورة التكلفة وقابلة للتوسع ومربحة وجاذبة للاستثمار.
سيعتمد نجاح الشركات والمدن والدول والمناطق، بل الأسر أيضاً، في المستقبل، على قدرتها على إدارة مخاطر العالم الأكثر حرارة والتعامل مع واقعه، من خلال توفير حلول عملية وبأسعار مناسبة. وستؤدي الشركات دوراً رئيسياً في تقديم معظم هذه الحلول.
ويقدم قطاع التبريد مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ شهدت مبيعات أجهزة التبريد في أنحاء أوروبا ارتفاعاً حاداً خلال صيف عام 2026، حيث أفاد أحد متاجر التجزئة بزيادة مبيعات المراوح بنحو 3000%، في حين ارتفع الطلب على أجهزة تكييف الهواء المحمولة بأكثر من 300% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
بيد أن هذا النمو يفرض تحديات فورية، إلى جانب ما يوفره من فرص للأعمال. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الكهرباء لأغراض التبريد ارتفع بنسبة 50% خلال العقد الماضي، مدفوعاً إلى حد كبير بتلبية احتياجات أجهزة التكييف، التي زادت مبيعاتها العالمية بنسبة 25% مقارنة بمستوياتها قبل خمس سنوات، مع شحن 200 مليون وحدة خلال عام 2024.
وقد أسهمت الحاجة إلى مواجهة الطلب المتزايد على الطاقة اللازمة للتبريد في تحفيز سوق تجمع بين الطاقة الشمسية وتقنيات التبريد، ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة هذه السوق 11 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.
مواد البناء والزراعة.. أسواق تتوسع
تسلك مواد البناء المقاومة للتغيرات المناخية مساراً مماثلاً. وتُقدّر قيمة هذا السوق حالياً بما يتراوح بين 220 و260 مليار دولار، مع توقعات بنمو سنوي يتراوح بين 6% و8%، لتصل قيمته إلى ما بين 330 و370 مليار دولار بحلول عام 2030.
وتشمل هذه السوق المواد المستخدمة في الهياكل الإنشائية والواجهات والعزل والعزل المائي، المصممة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والرياح والفيضانات والحرائق. ويعكس هذا التوسع تزايد الحاجة إلى مبانٍ وبنية تحتية أكثر قدرة على الصمود أمام الظروف المناخية القاسية.
ولا تقتصر هذه الفرص على الشركات والأسواق، بل تمتد إلى الاقتصادات بأكملها، وهو ما يجعل التدخل الحكومي ضرورياً لتهيئة الظروف المناسبة للاستفادة منها. فكما تطور قطاعا الطاقة النظيفة والتكنولوجيا ليشكّلا سوقاً عالمية للاستثمار تبلغ قيمتها تريليوني دولار سنوياً، يمكن تحقيق قيمة اقتصادية كبيرة من خلال الاستحواذ على حصة من الصناعات المرتبطة بالتكيف المناخي في المستقبل.
وتقدم الصين مثالاً على هذا التوجه، إذ توفر دعماً سياسياً كبيراً للجيل الجديد من أنظمة الزراعة المكثفة المقاومة للتغيرات المناخية. ويضم سوق الزراعة الرأسية المحلي نحو 250 موقعاً نشطاً، وينمو بأكثر من 20% سنوياً، مع توقعات بتجاوز قيمته ملياري دولار بحلول عام 2033.
ويستند هذا النمو إلى عوامل تشمل انخفاض تكلفة الإضاءة باستخدام الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، وكفاءة سلاسل القيمة التصنيعية. كما يبرز اتجاه مماثل في مجال التخمير الدقيق، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن معدلات النمو السنوية للسوق تتجاوز 50%، وإن كانت تنطلق من قاعدة محدودة نسبياً.

4 تريليونات دولار للمبيعات بحلول 2050
بدأت تتضح بصورة أكبر أبعاد الفرص التجارية التي يوفرها اقتصاد التكيف المناخي. فقد توقّع صندوق الثروة السيادي السنغافوري «جي آي سي» أن تتضاعف المبيعات السنوية العالمية في القطاعات المرتبطة بالتكيف المناخي أربع مرات، لتصل إلى 4 تريليونات دولار بحلول عام 2050، مع إرجاع تريليوني دولار من هذه الزيادة بصورة مباشرة إلى الاحترار العالمي الإضافي.
وفي السياق ذاته، قدّرت شركة «تيماسيك» ومجموعة «بوسطن كونسلتينغ غروب» أن احتياجات تمويل التكيف المناخي عالمياً سترتفع إلى ما يتراوح بين 500 مليار دولار و1.3 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2030. وتمثل هذه الاحتياجات فرصة استثمارية ضخمة تصل إلى تريليونات الدولارات أمام شركات الاستثمار المباشر، بما يتيح للقطاع الخاص المشاركة في تمويل الحلول المناخية وتطويرها.
مؤشر جديد لقياس جاهزية الاقتصادات
يتطلب تحويل هذه الفرص إلى استثمارات فعلية أن تعمل الحكومات والمؤسسات العامة الأخرى على تهيئة الظروف الاقتصادية المناسبة. وللمرة الأولى، ظهرت أداة لقياس التقدم الذي تحرزه الدول في بناء اقتصادات قادرة على دعم نشر حلول التكيف المناخي المطلوبة بصورة عاجلة.
ويركز «مؤشر اقتصاد التكيف» الذي طورته مؤسسة «مورفوسيس» على قدرة الدول على تطوير أسواق للتكيف المناخي تستطيع جذب رؤوس الأموال الخاصة على نطاق واسع، في وقت تواجه فيه الحكومات حول العالم قيوداً متزايدة على مواردها المالية.
ويقيس المؤشر سبعة أبعاد، تشمل مدى إدماج المخاطر المناخية في آليات السوق وقرارات الاستثمار، إلى جانب قدرات ريادة الأعمال والتكنولوجيا. ويهدف إلى مساعدة صانعي السياسات على إعداد وإدارة خرائط طريق اقتصادية تعزز فرص الشركات العاملة في مجال التكيف المناخي، فضلاً عن تزويد المستثمرين، الذين يتزايد اهتمامهم بالفرص المرتبطة بهذا المجال، بمعلومات تساعدهم على تقييم مدى جاذبية الدول وأصولها المحددة للاستثمار.

التكيف المناخي.. محرك للقيمة المستقبلية
من المتوقع أن يصبح التكيف الفعّال مع تغير المناخ أحد أبرز محركات خلق القيمة الاقتصادية عالمياً، سواء على مستوى الأصول والشركات أو الأسر والقطاعات والاقتصادات بأكملها.
وستؤدي السياسات الحكومية دوراً محورياً في توجيه الاستجابة لهذه التحولات، بما في ذلك خفض الانبعاثات بسرعة، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة التغير المناخي. كما ستحدد هذه السياسات كيفية تعبئة القدرات وتطويرها، ومدى نجاح الدول في تأسيس قاعدة اقتصادية تتيح تحقيق ازدهار شامل في مستقبل تتزايد فيه الآثار المناخية القاسية.
وبذلك، لا يقتصر التحدي على الحد من الأضرار المناخية، بل يمتد إلى بناء اقتصادات قادرة على تحويل الحاجة الملحة إلى التكيف إلى فرص للابتكار والنمو والاستثمار، مع ضمان وصول الحلول الضرورية إلى المجتمعات والقطاعات الأكثر احتياجاً إليها.
المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات