التخطي إلى المحتوى

يُعد الأدب انعكاسًا للحياة بكل ما تحمله من تفاصيل وتحولات، وتأتي الرواية في مقدمة الفنون الأدبية التي تلتقط ملامح الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتعيد تقديمها من خلال شخصيات وأحداث وصراعات، تتيح للقارئ أن يرى الواقع من زاوية مختلفة، من هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها مرآة للأفكار والأيديولوجيات السائدة في المجتمع، إذ تكشف كيف فهم الكُتَّاب واقعهم، وكيف انعكست أفكار عصرهم وتحولاته على أعمالهم، سواء ظهر ذلك بوضوح أو تسلَّل إلى العمل من خلال الحكاية نفسها.

في هذا الإطار، ينطلق كتاب “الأيديولوجيا في الرواية المصرية- قبل وبعد” للناقد المصري شوقي عبدالحميد يحيى، الصادر حديثًا عن “بيت أزهى للنشر والطباعة”، ليتتبع أثر التحولات السياسية الكبرى في الرواية المصرية، باعتبارها “ديوان العصر”، متوقفًا عند ثورتي 1919 و1952، وما أحدثتاه من تغييرات في المجتمع والحياة العامة، وانعكاس ذلك على الرواية مضمونًا وشكلًا. 

ويقدِّم عبدالحميد كتابه باعتباره “دراسة أدبية متشابكة مع السياسة”؛ حيث قسَّمه إلى قسمين: “قبل” و”بعد”، متَّخذًا من عام 1952 نقطة فاصلة؛ فقبل هذا العام، ارتبطت الرواية بمناخ ثورة 1919 وصعود الفكر الليبرالي، وما صاحبه من اهتمام بالنهضة والتنوير والاستقلال وتأكيد الهوية المصرية، لذلك اتَّجه الأدباء إلى التعبير عن قضايا المجتمع والبحث عن جذوره، كما انخرط عدد منهم في الحياة السياسية والفكرية، فتأثرت أعمالهم بمواقفهم من الحرية والاستقلال والتجديد، أما بعد 1952، فقد أحدثت الثورة تحولًا سياسيًا واجتماعيًا انعكس على الفكر والإبداع، مع صعود الاتجاه الاشتراكي وتغير العلاقة بين الأدب والسلطة، كما أدت القيود على تناول القضايا السياسية إلى تغير طريقة حضور السياسة في الأدب.

وقبل أن يتطرَّق الكاتب إلى قسمي الكتاب الرئيسين، يتناول مفهوم الأيديولوجيا بوصفه مفهومًا اجتماعيًا وتاريخيًا متغيرًا، يختلف باختلاف الأزمنة والمجتمعات والصراعات السياسية والفكرية؛ إذ يرى أنها تمثل مجموعة الأفكار والمبادئ التي توجه طريقة إدارة المجتمع وتؤثر في جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يستعرض المفاهيم السياسية والفكرية التي يعتمد عليها في المقارنة بين المرحلتين، وفي مقدمتها الليبرالية والاشتراكية والديمقراطية، ثم ينتقل إلى صراعات السلطة داخل نظام يوليو، ولا سيما الصراع على الزعامة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، والخلافات بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

الانسان من الداخل

وفي القسم الأول من الكتاب (قبل)، يستعرض المؤلف رحلة تطور الرواية عبر العصور، من مجرد نقل الأخبار والأحاديث إلى جنس أدبي نثري طويل يستكشف الإنسان والمجتمع وقضاياهما، ويُرجع جذور نشأة الرواية إلى الملحمة، معتبرًا أن الرواية الحديثة طورت الشكل الملحمي بما يتناسب مع تغيرات المجتمع والعصر؛ فبينما ركزت الملاحم على أبطال استثنائيين وبطولاتهم، أصبحت الرواية أكثر اهتمامًا بالإنسان من الداخل، وبعلاقته بالتاريخ والمجتمع والآخرين، ويستشهد الكاتب بأعمال مثل الإلياذة، والشاهنامة، والكوميديا الإلهية، وسيرة عنترة، وتغريبة بني هلال، باعتبارها نماذج للتراث الملحمي الذي مهّد للرواية.

ويستهل الكاتب الجانب التطبيقي من دراسته برواية “الباقي من الزمن ساعة” لنجيب محفوظ، رغم أن محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم كانا أسبق زمنيًا في إنتاج الرواية؛ لأن رواية محفوظ تمتد زمنيًا من 1936 إلى ما بعد اغتيال السادات، وبذلك تتيح له تتبُّع التحولات التي شهدها المجتمع المصري ومقارنة ما قبل 1952 بما بعدها، فالمسافة الزمنية بين كتابة الرواية والأحداث التي تتناولها تمنح الكاتب فرصة للتأمل في التاريخ، وهو ما يتوافق مع طريقته في الجمع بين الفلسفة والسياسة والحياة الاجتماعية، وربط سلوك الإنسان بالظروف التاريخية والبيئة التي يعيش فيها.

ثم ينتقل إلى “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، التي تعتمد على الرومانسية والاستبطان؛ إذ يرى أن الحكيم استفاد من تجربته وبيئته في بناء الشخصيات، ولم يُقصر الرواية على العلاقات الفردية، بل انتقل بها إلى البعد الوطني، حيث نرى فيها كيف يتحوَّل الوعي الفردي إلى إحساس بالمسؤولية تجاه الشعب، كما حدث في ثورة 1919، والتي من خلالها تستحضر الرواية فكرة إحياء الوعي المصري واستعادة روح الجماعة، مستفيدة من الرموز المستمدة من التاريخ المصري القديم، إلى جانب تأثر الحكيم بالفكر والأدب الأوروبي.

بينما يكتفي عبد الحميد بإلقاء نظرة سريعة على رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل باعتبارها من أوائل الروايات المصرية، ومن ثم تمثل نقطة انطلاق لما جاء بعدها، ويقارن بين هيكل والحكيم، اللذين عاشا في ظروف زمنية متقاربة ودرسا القانون في فرنسا، لكن كلًّا منهما سلك مسارًا مختلفًا بعد ذلك؛ إذ اتجه هيكل لاحقًا إلى السياسة، بينما انشغل الحكيم بالأدب والمسرح، ومن خلال المقارنة بين “زينب” و”عودة الروح”، يرى الكاتب أن “زينب” اتَّسمت بالبساطة وضعف الحبكة، مع احتفاظها بدورها الريادي، في حين بدت “عودة الروح” أكثر حرفية ونضجًا فنيًا، مع حضور واضح للبعد الرومانسي في العملين.

أما رواية “شيء من الخوف” لثروت أباظة، فيتناول عبد الحميد دلالاتها السياسية والاجتماعية، ولا سيما شخصية “عتريس” التي يقرأها بوصفها صورة لحكم الفرد، في مقابل ما يمكن أن تُفهم منه الرواية من دعوة إلى الديمقراطية، كما يلفت إلى توظيف الحوار والمونولوج في الكشف عن أبعاد الشخصيات واختلاف وجهات النظر، وإلى دلالة العنوان الذي لا يحصر الخوف في صورة واحدة، بل يفتح المجال لقراءة الخوف بوصفه أداة للسيطرة قد ينقلب أثرها إلى الثورة، مؤكدًا أن الرواية تتجاوز مصائر شخصياتها إلى دلالة رمزية أوسع تعكس مجتمعًا عاش في ظل الصمت والخوف من إبداء الرأي.

تحوّلات اجتماعية

وفي القسم الثاني (بعد)، يستعرض المؤلف انعكاسات التحولات التي أعقبت 1952 على الرواية والمجتمع، ويبدأ بيوسف السباعي، الذي يرى عبد الحميد أن تجربته السياسية انعكست على أدبه وعلى القضايا التي تناولها، متوقفًا عن روايته “جفت الدموع”، بوصفها نموذجًا أوضح لتداخل التجربة السياسية والشخصية مع الأدب، إذ تستحضر أجواء الوحدة المصرية السورية وتربط الأحداث العامة بالحياة الخاصة، دون أن تتحول إلى تسجيل تاريخي مباشر، كما يتوقف عند اعتماد السباعي على المونولوج الداخلي للكشف عن العالم النفسي للشخصيات، ويرى أن الرواية تقوم على خطين متوازيين: سياسي واجتماعي، ورومانسي.

كما يتوقَّف الكاتب عند يوسف إدريس وروايتيه “العيب” و”الحرام”، بوصفهما نموذجين لاهتمامه بالفئات المهمشة وأوضاع الفقر؛ ففي “العيب” يبرز التركيز على الفقراء والمعدمين والعمال الذين تدفعهم ظروفهم إلى العمل في التفاتيش، بما يعكس، وفق قراءة الكاتب، رؤيته اليسارية وانحيازه إلى قضايا هذه الفئات، ويتواصل هذا الاهتمام في “الحرام”، التي يربطها الكاتب بالتوجه اليساري والرفض الفكري للعهد السابق، مع تركيزها على الفقر والتهميش وأوضاع العمال المعدمين، مشيرًا إلى تأثر إدريس بخبرته في الطب النفسي، التي انعكست في اهتمامه بتحليل الدوافع الداخلية للشخصيات وفهم سلوكها في سياقها الاجتماعي والإنساني، بدل الاكتفاء بالحكم عليها من خلال أفعالها الظاهرة.

ويركِّز الكاتب بشكل خاص على جيل الستينيات، بوصفه جيلًا شهد تحوُّلًا أدبيًا ونفسيًا في ظل التحولات التي أعقبت 1952، ثم هزيمة 1967، التي دفعت عددًا من الأدباء إلى مراجعة مشروع الثورة ونقده، كما حمل أدب الستينيات تجديدًا شكليًّا؛ حيث أصبح الشكل نفسه جزءًا من الدلالة، واتجه بعض الكتاب إلى أساليب أكثر مباشرة وتحررًا من الزخرفة، ويقدِّم صنع الله إبراهيم نموذجًا لهذا التحول، رابطًا بين ظروفه الشخصية وتجربة السجن وموقفه من الفوارق الطبقية والقيود السياسية.

ويتناول روايته “نجمة أغسطس” التي يكشف فيها آليات الاستبداد وصناعة صورة الحاكم، موضحًا أن صنع الله إبراهيم لا يتردد، وفق قراءة الكاتب، في توجيه النقد إلى مصادر أيديولوجيته نفسها، بما يعكس إيمانه بحرية الرأي وتقديم الإنسان على الأيديولوجيا، وفي هذا السياق، يستدعي صنع الله إبراهيم رمسيس الثاني بوصفه نموذجًا لعبادة الفرد وتحول الحاكم من إنسان إلى رمز يُخلَّد ويُقدَّس، ويرى الكاتب أن استدعاء التاريخ لا يقتصر على الماضي، بل يصبح وسيلة لقراءة الحاضر، من خلال قضايا السلطة والحرب والهزيمة والتهجير، وصولًا إلى هزيمة 1967 وما ارتبط بها من مساءلة للسلطة والمسؤولية.

ولا يتجاهل الكاتب الحضور النسائي في الرواية المصرية، مستشهدًا بتجربة لطيفة الزيات، باعتبارها من رائدات الكتابة النسوية، موضحًا تداخل تجربتها الشخصية مع الواقع الاجتماعي والسياسي، وتأثر وعيها بهزيمة 1967 والتحولات التي شهدها المجتمع، ويربط الكاتب “الباب المفتوح” بالسياق التاريخي الذي نشأت فيه التجربة الأدبية للزيات، بدءًا من ثورة 1919 وما أحدثته من حراك سياسي وفكري، مرورًا بالحركة العمالية والإضرابات في الأربعينيات، وصعود التيارات السياسية الجديدة، ثم تأثير الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. 

ويختتم عبدالحميد دراسته، بإيمان يحيى وروايته “الزوجة المكسيكية”، التي أقامها على رواية “البيضاء” ليوسف إدريس، بوصفها محاولة لإحياء مرحلة سياسية وفكرية مضت عليها عقود، وإعادة قراءتها من منظور معاصر، ويرى عبدالحميد أن الرواية لا تستعيد “البيضاء” وحدها، وإنما تستعيد معها فترة صعود اليسار المصري وما ارتبط بها من صراعات سياسية واعتقالات، مستفيدًا من التشابه الذي يراه بين بعض ملامح تلك المرحلة ومراحل سياسية لاحقة، مشيرًا إلى أن “البيضاء” نفسها تجمع بين التجربة الشخصية ليوسف إدريس والمرحلة السياسية التي عاصرها، وهو ما جعلها في نظره أقرب إلى وثيقة أدبية تكشف جانبًا من تلك الفترة، أما “الزوجة المكسيكية” فتتعامل معها بوصفها مرجعًا أساسيًا، لكنها تعيد بناءها في صورة رواية معاصرة، وتستخدم تقنية الرواية داخل الرواية والانتقال بين أزمنة مختلفة، من خمسينيات القرن العشرين إلى النكسة وبدايات القرن الحادي والعشرين. 

واعتمد شوقي عبدالحميد في دراسته على مصادر متنوعة، شملت الروايات محل الدراسة، والكتب والدراسات النقدية والنظرية، والسير الذاتية والمذكرات، إلى جانب المقالات المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، فضلًا عن مراجع تناولت علاقة الرواية بالسياسة والمجتمع، ونظرية الرواية وتقنيات السرد، والأيديولوجيا والتحولات السياسية في مصر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *