التخطي إلى المحتوى

هندسة الخداع المالي .. صيد الأسماك الذي انتهى بالغرق في الديون

في مدينة فيغو الساحلية شمال غربي إسبانيا، كانت شركة “بيسكانوفا” جزءًا من اقتصاد المدينة، حيث تعود سفنها محملة بالأسماك، ويحولها المصنع إلى منتجات بحرية تصل إلى الأسواق، وآلاف العائلات تعتمد على الشركة في معيشتها.

 

لكنها تحولت إلى قصة شركة توسعت بسرعة، واقترضت بكثافة، وراكمت شبكة معقدة من الشركات التابعة، بينما بدأت بياناتها المالية تنفصل تدريجيًا عن واقعها، وعندما حاولت الأرقام الحقيقية أخيرًا الظهور إلى السطح، كان حجم الفجوة أكبر بكثير مما توقعه أحد.



 

توسع سريع

 

بدأت “بيسكانوفا” كشركة محلية في فيغو، قبل أن يحولها “مانويل فرنانديز دي سوزا”، نجل مؤسسها، إلى واحدة من أكبر مجموعات صيد الأسماك في العالم.

 

وخلال الفترة بين عامي 2005 و2007، دخلت الشركة في موجة توسع شرسة، واستحوذت على أنشطة لتربية السلمون والروبيان في مناطق بعيدة مثل تشيلي وفلوريدا، ومع الوقت، امتدت عملياتها إلى عشرات الدول، وأصبحت تمتلك حصصًا في 89 شركة تابعة حول العالم.

 

وبحلول عام 2011، لم تعد “بيسكانوفا” مجرد شركة إسبانية لصيد الأسماك ومعالجتها؛ فقد أصبحت إمبراطورية تمتد مصالحها من الأرجنتين إلى ناميبيا، وتوظف نحو 10 آلاف شخص حول العالم، وتحقق مبيعات سنوية  1.67 مليار يورو.

 

لكن النمو كان يحتاج إلى أموال هائلة، لذا فمع توسع الشركة، تضخمت حاجتها إلى التمويل، وأصبحت البنوك الإسبانية من أهم مصادر السيولة، ثم جاءت الأزمة المالية التي ضربت إسبانيا وأضعفت صناديق الادخار المحلية، لتبدأ الآلية التي اعتمدت عليها “بيسكانوفا” في تمويل توسعها بالتفكك، لم تعد الأموال تتدفق كما كانت من قبل، بينما ظلت الالتزامات قائمة.

 



  

خيوط تتكشف


لم يكن انهيار الشركة نتيجة لحظة واحدة، بل تراكمًا لمشكلات كان بعضها حقيقيًا وبعضها الآخر مخفيًا خلف بيانات مالية لم تعكس الصورة الكاملة، أحد الأمثلة كان مشروع لتربية الأسماك في البرتغال، حيث أدت عيوب في النظام الهيدروليكي إلى نفوق آلاف الأسماك خلال عامي 2011 و2012، وتسببت في خسائر قدرت بنحو 70 مليون يورو.

 

لكن المشكلة الأكبر كانت في الديون، إذ كانت الشركة قد أعلنت عن وضع مالي بدا أفضل بكثير من الحقيقة، إلى أن بدأت الشكوك تظهر في نهاية فبراير 2013.

 

عندما دعا “سوزا” أعضاء مجلس الإدارة وكبار المساهمين إلى اجتماع، وحذرهم من أزمة سيولة تبلغ نحو 50 مليون يورو، كان التساؤل الرئيسي للحاضرين كيف يمكن لشركة تستعد للإعلان عن نتائج أعمال تظهر أرباحًا كبيرة وسيولة وفيرة أن تخبر مساهميها في الوقت نفسه بأنها تعاني أزمة نقدية؟

 

وشكك أحد أعضاء مجلس الإدارة وهو “فرانسوا تيش” في الأمر ولم يجد تفسيرًا مقنعًا، ورفض عضوا مجلس الإدارة الجديدان المصادقة على البيانات، ولم تُعلن النتائج، وهنا بدأ البناء كله في الاهتزاز.

 

  

الشرخ الخفي

في الأول من مارس 2013، عُلّق تداول سهم “بيسكانوفا”،  وبعد أيام، عاد التداول لفترة قصيرة، قبل أن يتوقف مجددًا في الثاني عشر من الشهر نفسه، بعدما أعلنت الشركة احتمال وجود أخطاء في الإفصاح عن حجم ديونها.

 

كان المستثمرون يرون السهم ينهار أمام أعينهم؛ فقد خسر 58% من قيمته خلال أول شهرين من 2013، بعد أن كان قد تراجع 41% خلال عام 2012.

 

في الوقت نفسه، أوقفت “بيسكانوفا“ التعامل مع شركة التدقيق المحاسبي “بي دي أو” واستعانت بـ “كيه بي إم جي” لإجراء فحص لحساباتها.

 

حينها ظهرت الصورة التي لم يكن المستثمرون يرونها، إذ كشف التدقيق أن إجمالي الديون المالية بلغ 3.281 مليار يورو، أي نحو أربعة أضعاف الرقم المعلن سابقًا، مع صافي قيمة سلبية قدرها 927 مليون يورو.

 

وبدأ  الحديث عن ممارسات ومناورات ممنهجة لإخفاء الوضع المالي الحقيقي للشركة، حتى وصف قاضي التحقيق ما حدث بأنه مخطط هدفه تقديم “صورة غير حقيقية” عن الوضع الاقتصادي وأصول الشركة.

 



 

ما قبل الإفلاس

 

في الأشهر التي سبقت طلب الإفلاس الذي قدم في منتصف أبريل 2013، كان “سوزا” قد باع نصف حصته في “بيسكانوفا”، التي كانت تبلغ 14.4%، دون إبلاغ الجهات الرقابية كما يقتضي القانون، وقدرت قيمة ما حصل عليه من عملية البيع بما لا يقل عن 27 مليون يورو، مع إقراضه جزءًا من المبلغ مجددًا للشركة.

 

بالنسبة للمساهمين، بدا الأمر كأن الرجل الذي كان يعرف حقيقة الوضع المالي للشركة بدأ في الخروج قبل أن تنكشف الصورة كاملة.

 

ولم تكن المشكلة مجرد ديون متراكمة، فقد ساهمت شبكة الشركات التابعة، التي بلغ عددها 89 شركة، في جعل الرقابة أكثر تعقيدًا، إذ لم يكن مدققو الشركة الأم قادرين دائمًا على الوصول إلى دفاتر الشركات التي تقل حصة “بيسكانوفا” فيها عن 50%.

 

كما أشارت تقارير إلى أن المدققين مُنعوا من زيارة بعض أقسام الشركة ولم يُسمح لهم بالتحدث إلا مع مسؤول تنفيذي واحد مخول بذلك، وهكذا، لم تغرق “بيسكانوفا” بسبب السمك الذي نفَق في مزارعها، ولا بسبب أزمة مصرفية وحدها، ولا حتى بسبب الديون وحدها.

 

لكن النهاية لم تكن تصفية كاملة، فقد تدخل عدد من الدائنين لإعادة هيكلة الشركة، وأُنشئت شركة جديدة باسم “نويفا بيسكانوفا”، مع زيادة رأس المال ومنح الدائنين حصة كبيرة، فنجا الكيان وإن سقط صاحبه.

 

المصادر: وثائق هيئة سوق المال الإسبانية – تقرير “كيه بي إم جي” –  صحيفة “وول ستريت جورنال” – وكالة “رويترز”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *