التخطي إلى المحتوى

تبدأ قصيدة الشاعر السمَّاح عبدالله (1963) “يا صدرًا وطنًا” بتحويل أمل دنقل من مجرد شخص إلى “وطن” ملجأ، حيث يطرق الشاعر بابه مغتربًا ومنزويًا في الليل، ليتجاوز الرثاء التقليدي إلى رثاء رمز شعري وإنساني كان يمثل الأمان.

يظهر أمل دنقل في النص منشغلاً بـ “الوطن المتمدد”، و”وجع الأرض”، وهي إشارة مباشرة لخط أمل دنقل الشعري القومي والسياسي الرافض للهزيمة. 

ويطرح السماح عبدالله نفسه كـ (آخر عود نبت بأرض الشعراء)، مستحضرًا علاقة جيل السبعينيات والثمانينيات بأمل دنقل، حيث كان الشاب يخبئ أشعار أمل في كتبه ويهاجر إلى عوالمه.

يتحوّل أمل دنقل في مخيلة الشاعر إلى عناصر طبيعية حية ومتناقضة تجمع بين اللين والقوة، فهو (نخلًا وعنيدًا) دلالة على الشموخ والاعتزاز بالجنوب والصعيد. (كالريح الهوجاء) تعبير عن ثوريته وقصائده الغاضبة. أما (حقلاً، نهاراً، أنهاراً، ناراً، مطراً) فتكشف عن تتابع حركي سريع يبين أن مرثيّه ليس ميتًا، بل هو عنصر كوني متجدد (النار للثورة، والمطر والنهار للبعث والأمل).

(وتخيرتُك فصلا .. غير جميع فصول الأعوام) ابتكار “فصل غير جميع فصول الأعوام” يخرج “أخضر كالحب” هو تكريس لخصوصية أمل دنقل؛ فصل لا يموت، يغني للفقراء ويزهر بالرفض.

يعتمد النص على بحر المتدارك الخببي أو الخبب (فعِلن فعْلن) بتنويعاته، وهو بحر سريع وممتد يناسب “الركض” والهجرة والحلم الكامن في النص.

استخدام “كنتُ وكنتَ” يوضح الفجوة بين ماضٍ كان فيه اللقاء حيًّا، وحاضرٍ يعيش صدمة الغياب (وفجائيًّا.. كنت). 

نلاحظ تلاعب الشاعر الذكي بكلمة “الأملا” (حيث يضم الجفنان الحلم الأملا) الذي يحمل دلالة مزدوجة؛ فهو الأمل كقيمة، وهو “أمل دنقل” كشخص محتضن داخل جفون الشعر.

ونلاحظ أن المعجم اللغوي للقصيدة ينقسم إلى حقلين رئيسيين: حقل الاغتراب والانكسار: (حقائب، سفري، منزويًا، الليل، خاصمتُ الأيام). وحقل الخصوبة والثورة: (تغني، المتمدد، نخلًا، عنيدًا، حقلاً، نهارًا، أنهارًا، نارًا، مطرًا، أخضر). تكرار لفظة “فجائيًّا” ثلاث مرات يعكس الصدمة الوجودية للفقد، وكسر رتابة الزمن. والتلاعب بلفظة “الأملا” يمثل جناسًا تامًا وإيحائيًا يدمج بين اسم العَلم (أمل دنقل) والقيمة المطلقة (الأمل).

استخدام الشاعر السماح صيغة الأفعال الماضية المسندة لتاء الفاعل (رسمتُك، موجتُك، أوقدتُك، نزلتُك، ..) وهنا يظهر الشاعر الراثي في حالة فاعل لغوي نشط يعيد تشكيل المرثي، وليس مجرد باكٍ مستسلم.

يتأسَّس المقطع الأول في القصيدة على جدلية هندسية محكمة ترصد التحول في العلاقة: في البداية: تباعد وانفصال (الشاعر تائه يطرق الباب / أمل مستغرق في وجع الوطن). الوسط: تماهٍ واحتواء (أخبؤك بكتبي / أهاجر لأراضيك). وفي النهاية: ذوبان كامل؛ حيث يتحول “الآخر” (أمل) إلى فعل يغني للفقراء داخل “الأنا” (الشعر).

نلاحظ بنية التناظر في عبارات مثل: (موَّجتُكَ.. أنهارا / أوقدتُكَ.. نارا / نزَّلتكَ.. مطرا) مما يخلق توازنًا إيقاعيًّا وبصريًّا متلاحقًا يعمل كرافعة بنائية تنقل النص من رثاء الفرد إلى تمجيد الفكرة.

يتبنى النص فلسفة “الخلود الشعري” عبر الحلول. فالشاعر يرفض موت أمل الفيزيائي، ويعيد خلقه فلسفيًّا في صورة “عناصر الطبيعة الأربعة” (التراب / الحقل، الماء / الأنهار، النار، الهواء/ الريح الهوجاء)، ليصبح الموت هنا بوابة للوجود المطلق.

ابتكار فصل خامس أو فصل غير فصول الأعوام، هو كسر للفلسفة الحتمية للزمن الخطي (الذي ينتهي بالموت). هذا الفصل الافتراضي يرمز لزمن الثورة والرفض، وهو زمن لا يخضع للفصول الأربعة التقليدية، بل يتجدَّدُ دائمًا “أخضر كالحب”.

تظهر في النص ملامح واضحة لرفض العقل الباطن لفكرة الموت. الشاعر يرى أمل “منتصبًا” كالرياح والنخل، وهي صور ذكورية تعويضية تعكس رغبة الشاعر في نفي صفة الضعف والمرض والغياب عن جسد أمل دنقل. كما يتجلَّى القلق النفسي للتلميذ أمام أستاذه في سؤال: “هل تعرفني؟؟!”. إنه سؤال يبحث عن الاعتراف والشرعية الجيلية. الشاعر يصف نفسه بـ (آخر عود نبت بأرض الشعراء)، كأنه يبحث عن صك الغفران الشعري من الأب الروحي الراحل.

يتأرجح النص بين ثلاثة أزمنة: الماضي القريب: لحظة اللقاء الجسدي (حين حملتُ حقائب سفري). والماضي المطلق المستمر: (كنتَ تغني)، وهي صيغة تفيد ديمومة الفعل رغم انقطاعه الفيزيائي. واللحظة الصدمية (الآن): المتمثلة في بتر الجُمل (وفجائيًّا.. كنت)، حيث تقف “كنت” بلا خبر، لتدل لغويًّا وزمنيًّا على الفراغ والموت المفاجئ الذي قطع سياق الحياة.

ونلاحظ من خلال العلامات والإشارات الموجودة بالنص؛ علامة (الصدر/ الوطن) في قول الشاعر “يا صدرًا وطنا”؛ الصدر هنا علامة سيميائية تجمع بين الحنان (الأمومة والاحتواء) والملجأ الجغرافي والسياسي (الوطن)، مما ينزع عن أمل صفة الفردية ويحوله إلى فضاء مكاني. أما أيقونة (النخلة والريح) فالنخلة علامة سيميائية على الامتداد الهوياتي الصعيدي / الجنوبي لأمل دنقل (الشموخ والجذور)، بينما “الريح الهوجاء” علامة على قصيدته الرافضة والصادمة (لا تصالح). سيميائية اللون (أخضر): اللون الأخضر هنا ينزاح عن معناه الطبيعي (النبات) ليصبح علامة دالة على “البقاء والخصوبة الأيديولوجية” لقصيدة الفقراء، في مقابل لون الموت (الموت الأبيض أو الخريف الأصفر).

يدخل القارئ إلى قصيدة الرثاء متوقعًا معجمًا جنائزيًا (بكاء، وعويل، وقبر، وكفن)، لكن الشاعر يعمد إلى “خرق أفق التوقع” بصدمة القارئ عبر معجم الثورة، والحركة، والخصوبة والولادة المستمرة. ويترك الشاعر مساحات بياض وفراغات تأويلية؛ مثل جملة (وفجائيًّا.. كنت). هنا يُجبر النص “القارئ المتلقي” على أن يصبح شريكًا في الإنتاج، فيملأ الفراغ بنفسه بكلمة (مِتَّ، أو غبتَ، أو رحلتَ)، مما يجعل تجربة الفقد تجربة تفاعلية لا يلقنها الشاعر تلقينًا، بل يتقاسم وجعها مع المتلقي.

يبدأ المقطع الثاني بالقصيدة، بجمل إسمية تقريرية مكثفة تخلو من الأفعال (العينان الزمن، الصدر الوطن، القلب الجمرة). هذا “الحذف للروابط” يمنح الصفات ثباتًا دائمًا، ويحول أمل دنقل إلى جوهر مطلق. ثم ينقلب النص إلى الجمل الفعلية (أتبعثر، طرتُ، درتُ، حططتُ) ليعبر عن حركية التيه والتمزق التي يعيشها الشاعر.

نلاحظ انزياحًا في تراكيب مثل “وحدتك الوحشية”، حيث تحولت الوحدة من حالة شعورية إلى كائن كاسر. وعبارة (الزمن المتأجل، والزمن المتعجل) تجمع بين النقيضين لغويًّا لتعبر عن مأزق أمل مع الوقت والمرض.

إقحام صوت فيروز (خذني لبلادي) يمثل تناصًا فنيًا غنائيًا يعمق لغوية النص، وينقل فضاء القصيدة من المناجاة الداخلية إلى فضاء الغربة الكونية والقومية الشاملة.

يغلق الشاعر القصيدة ببنية دائرية محكمة؛ حيث يعود في النهاية إلى تكرار أسطر المقطع الأول حرفيًا (تخيرتُك فصلاً.. تطلع من بينهمو أخضرَ كالحب وتغني للفقراء). هذه الدائرية البنيوية تعني فلسفيًّا وفنيًّا ألا مخرج من هذه الدوامة، وأن البداية هي النهاية، والغياب يتحول إلى خلود سرمدي.

يعتمد المقطع على ثنائيات متوازية هندسيًّا: (ما أقسى أن يتكئَ المجروحُ على المجروح / ما أقسى أن يتكئَ العيّانُ على العيَّان)، (وتقاسمنا في هدآت الليلِ الوجعا / وتقاسمنا الإعياء). هذا التوازي الإيقاعي يجسد فكرة “التوأمة السيامية” في الألم بين الشاعر وأستاذه.

يتجلَّى المأزق الوجودي في البحث المستمر عن ماهية “الوطن” الضائع (إني أبحثُ عن وطني / منذ زمانٍ.. أتبعثرُ). الغربة هنا ليست مكانية بل غربة وجودية؛ فالوطن تحوَّل من حيز جيو – سياسي إلى حيز شخصي ممثل في جسد أمل دنقل (الصدر / الوطن)، وبموت أمل يصبح الشاعر بلا وطن، مواجهًا العبث والعدم.

عبارة (المجروح على المجروح) تطرح رؤية فلسفية حول “عجز المواساة”. فالإنسان في لحظات انكساره القصوى لا يجد سندًا مطلقًا، بل يستند على مَن هو عاجز مثله، مما يعمق المأساة الوجودية للشعراء في مواجهة السلطة والزمن.

يمر الشاعر بعملية تماهٍ نفسي كاملة مع المرثي. لم يعد أمل شخصًا منفصلاً، بل صار جزءًا من التكوين العضوي والنفسي للشاعر: (تتحشرج في صوتي / وتفجأني في عيني). الشاعر يبتلع حضور أمل دنقل نفسيًّا ليعوض غيابه الجسدي.

كما يظهر إلحاح الشاعر في تكرار سؤال: “هل تعرفني؟؟! / هل تقدر؟؟!” كأنه يعاني من قلق عدم الكفاية أو قلق التلميذ العاجز عن إنقاذ أستاذه (الذابل حتى الوجع)، فيتحول هذا العجز إلى جلد للذات يعبر عنه بالترحال والتبعثر في الطرقات.

يتحدث الشاعر عن (الزمن المتأجل، والزمن المتعجل)، وهو رصد دقيق لزمن الموت والمستقبل. الشاعر يعيش زمنًا ممطوطًا وثقيلاً (منذ زمانٍ.. أتبعثر)، بينما كان زمن أمل دنقل متسارعًا نحو النهاية بسبب المرض.

من خلال تكرار “الصدر الوطن.. الكلمات الشجر” في نهاية النص، يقوم الشاعر بتجميد اللحظة الزمنية الجنائزية، رافضًا الاعتراف بالزمن الحاضر الذي يخلو من أمل، مُعيدًا إنتاج الماضي وجعله هو الحاضر المستمر.

(بلدان فلسطين ولبنان / ويداك مخضبتين دمًا). تتحول هنا اليدان المخضبتان بالدم من دلالة المرض والموت الفيزيائي (نزيف أمل دنقل في الغرفة رقم 8 بمعهد الأورام) إلى علامة سيميائية سياسية ترمز للقضية الفلسطينية واللبنانية ودماء الشهداء، تماشيًا مع تاريخ أمل الشعري الرافض للمساومة.

(القلب الجمرة / والصوت البركان)؛ علامات أيقونية تُعيد إنتاج صورة أمل دنقل الثائر. الجمرة تدل على الوجع الداخلي المتقد، والبركان يدل على لحظة الانفجار الشعري في وجه القبح والظلم.

يعتمد النص على “قارئ مُثقف” يمتلك مخزونًا معرفيًّا عن سيرة أمل دنقل. عندما يقول الشاعر: (سيدي الذابل حتى الوجع)، فإن المتلقي يستدعي فورًا صورة أمل في مرضه الأخير وديوانه “أوراق الغرفة 8”. النص لا يقدم هذه التفاصيل بل يتركها “فجوة” يملؤها القارئ من ذاكرته التاريخية ليتأثر بالقصيدة.

ينقل الشاعر المتلقي من حالة المشاهدة المحايدة لمرثية شخصية، إلى ورطة شعورية قومية عندما يستدعي أغنية فيروز وعلامات فلسطين ولبنان. هنا يتلقى القارئ صدمة مفادها أن “الجرح” ليس جرح الشاعر وحده، بل هو جرح الأمة بأكملها، مما يحقق “التطهير” بالمفهوم الأرسطي ولكن بأدوات شعرية حديثة.

تتحول مرثية الشاعر أمل دنقل من مجرد بكائية شخصية إلى وثيقة سياسية وقومية تدين مرحلة تاريخية كاملة. فأمل دنقل في هذا النص ليس مجرد شاعر رحل، بل هو “أيقونة الرفض العربي”. إنه يمثل رمزية “المثقف العضوي” الذي لا يساوم. الشاعر يحوله إلى رمز للجنوب والصعيد الرافض بـ (النخل والعناد)، ويستحضر من خلاله روح قصيدته الشهيرة “لا تصالح”، ليصبح أمل هو المعيار الأخلاقي والسياسي الذي يُقاس به سقوط أو صمود الآخرين.

تكرار عبارة (إني أبحثُ عن وطني) و(أتبعثر في الطرقات)، هو رمز سياسي لضياع الهوية العربية والتشتت بعد انكسار المشاريع القومية الكبرى (ما بعد نكسة 1967 وكامب ديفيد).

عندما يعجز الوطن الجغرافي (الدولة) عن احتواء الشاعر، ويطرده ليكون غريبًا، يتحول “أمل دنقل” وجسده إلى “وطن بديل” (الصدر الوطن). السياسة هنا تكمن في أن الملاذ الآمن الوحيد للمثقف هو مثقف آخر يشبهه في الرفض، وليس المؤسسة الرسمية.

في سطر (ويداكَ مخضبتين دمَا) يفكك الشاعر دلالة الدم؛ فهو في الظاهر دم مرض السرطان الذي قتل أمل دنقل، لكنه سياسيًّا يتحول فورًا إلى دم الشهادة والمقاومة، الجرح القومي. 

باستدعاء (بلدان فلسطين ولبنان)، يربط الشاعر بين جسد أمل الذابل وجسد الأمة الممزق. أمل دنقل عاصر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وكتب عنه وهو على فراش الموت، والقصيدة ترمز إلى أن مرض أمل كان انعكاسًا عضويًّا لمرض العروبة وانكسارها في تلك الحقبة.

ينزع الشاعر عن عناصر الطبيعة دلالتها الرومانسية ويشحنها بدلالات ثورية وسياسية حادة: الصوت البركان / القلب الجمرة: رموز للغضب الشعبي الكامن، والقصيدة الرافضة التي تفضح زيف السلام المستسلم والمشوّه. 

(الكلمات الشجر المتطاول والعهد الآتي) الشجر هنا رمز للثبات، والتجذُّر في الأرض، وعدم الانحناء للريح السياسية الانهزامية. الكلمة عند أمل دنقل هي سلاح وموقف ممتد للمستقبل (العهد الآتي)، وإشارة ذكية في الوقت نفسه لديوان أمل دنقل “العهد الآتي” (1977).

ونلاحظ أن استدعاء صوت فيروز وهي تغني (خذني لبلادي) ليس ترفًا فنيًّا، بل هو رمز سياسي لـ “المنفى الاختياري والإجباري” للمثقف العربي. صوت فيروز هنا يمثل الضمير النقي النقيض للواقع السياسي الملوَّث، ويمثل الحنين إلى وطن يوتوبي (مثالي) لم تلوثه الاتفاقيات والمعاهدات السياسية المنفردة.

ابتكار “فصل غير جميع فصول الأعوام” هو رمز سياسي لرفض “السيستم” أو النظام القائم. الشاعر يريد زمنًا ثوريًّا خالصًا خارجًا عن الحسابات التقليدية للأنظمة.

يختم الشاعر بـ (تطلع من بينهمو أخضرَ كالحب وتغني للفقراء). هذا هو الرمز الأيديولوجي الأوضح؛ فاللون الأخضر هنا هو رمز للبعث والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، والتأكيد على أن شعر أمل دنقل سيظل حيًّا لأنه انحاز للطبقة المسحوقة (الفقراء) ضد سلطة رأس المال والفساد السياسي.

قصيدة “يا صدرًا وطنًا” للشاعر السماح عبدالله:

حين حملتُ حقائبَ سفري .. 

وطرقتُ على بابك .. في الليل

منزويًّا كنتَ تغني للوطنِ المتمدّد في عينيك

ووجع الأرض ..

وأنا خاصمتُ الأيامَ .. حواليك

وعشقتُ الركض

وفجائيًّا .. كنت

وكنتُ  ..

أُخبؤك بكتبي ..

وأهاجرُ لأراضيك وبلدانك ليلا

وإلى حيث يضمُّ الجفنان الحلمَ الأملا

وأفاجئهم بك منتصبا .. نخلا

وعنيدًا .. كالريحِ الهوجاء

وفجائيًّا .. كنت

هل تعرفني؟؟!

آخر عودٍ نبتَ بأرض الشعراء

ورسمتُك في كراساتي 

حقلا ..

ونهارا ..

موَّجتُكَ .. أنهارا

أوقدتُكَ .. نارا

نزَّلتكَ .. مطرا

وتخيرتُك فصلا ..

غير جميع فصول الأعوام

تطلع من بينهمو أخضرَ كالحب

وتغني للفقراء

رسمتُكَ ..

العينان الزمن المتأجل، والزمن المتعجل

الصدر الوطن

القلب الجمرة

والصوت .. البركان

والكلمات .. الشجر المتطاول والعهد الآتي

هل تعرفني ؟؟!

كانت فيروز تسامر وحدتك الوحشيّة

(خذني .. لبلادي

خذني .. لبلادي)

هل تقدر؟؟!

إني أبحثُ عن وطني

منذ زمانٍ .. أتبعثرُ في الطرقاتِ غريبًا أبحث ..

عن وطني

أوجعني سفري

أوجعني ترحالي

طرتُ .. ودرتُ ..

وحططتُ عىلى بابك .. في الليل

مجروحٌ .. سيدي الذابل حتى الوجع

مجروح .. حتى الموت

ما أقسى أن يتكئَ المجروحُ على المجروح

ما أقسى أن يتكئَ العيّانُ على العيَّان

ها مجروحان ..

تقاسمنا في هدآت الليلِ الوجعا

وتقاسمنا الإعياء

غريبانِ ..

وننشدُ وطنا

فيروزُ .. تغني

حبي في صدرينا

بلدان فلسطين ولبنان

كانتْ عيناك بحارَ مُنى

ويداكَ مخضبتين دمَا

وأنا ..

خبَأتكَ .. بين حقائب سفري

وضممتُك في صدري

وتطبَّبتُ بك 

الصدرُ الوطن

الكلماتُ الشجر

غادرتُك عينين .. بحار مُنى

ويدين مخضبتينِ دما

وخطوتُ وأنتَ بكتبي

وحقائب سفري

تتحشرج .. في صوتي

وتقاسمني خطواتي في الطرقات

وتفجأني .. في عيني

يا صدرًا وطنًا

وأنا ..

خاصمتُ الأيامَ حواليك

وعشقتُ الركض

وخططتك .. حين خططت ..

حين اخترت ..

تخيرتُك فصلا .. غير جميعِ فصولِ الأعوام

تطلع من بينهمو أخضرَ كالحب

وتغني للفقراء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *