التخطي إلى المحتوى

في رواية الكاتب الأردني مصطفى القرنة الموسومة جندي في الفرقة الرابعة، يرسم لنا الكاتب عبر صفحات هذه الرواية التي تمتد على 225 صفحة لوحة عن الأوضاع في سوريا قبيل سقوط النظام الديكتاتوري، لجندي خدم في الفرقة الرابعة، أكثر الفرق بطشا وقوة، والتي أحس أثناء خدمته فيها البطل “علي” القادم من طرطوس، أنه لم يعد يحمل قيم الشرف العسكري ولا يدافع عن الوطن، بل أصبح أداة في يد نظام باطش “جندي في معركة لا يملك مفاتيحها”.

ومن تجليات تلك اللوحة التي رسمها الكاتب مصطفى القرنة ببراعة وصبر ومثابرة، كما عودنا في أعمال كثيرة مثل رواية “جبل التاج” وهو أحد جبال العاصمة الأردنية عمّان، وكذلك رواية “المدرج الروماني” التي برع فيها في تسريد المكان، نجده في هذه الرواية يقوم بتسريد الإنسان ويغوص في أعماق النفس الإنسانية، فيصف لنا مدى الضيق الذي عاناه البطل “علي” وهو يقف على الحاجز ويجرد المواطنين المسالمين من إنسانيتهم ويحطم بداخلهم كل جميل، فضلا عن عذابات نفسه وضميره وهو يشرف على تعذيب الأسرى المجروحين في “غرفة الملح” أو يكون أداة في يد هذا النظام الباطش في سجن “صيدنايا” سييء الذكر وهو يلقي بالمحتجزين في الغرف والزنازين المعتمة لأشهر طويلة، ولا يقل شعوره بالعجز والقهر وهو يحشر السجناء في غرفة المكبس، يجد نفسه قد ضاقت به الدنيا بين خيارين أحلاهما مر، إما الاستمرار في الظلم الذي يخالف إنسانيته حيث “يموت قطعة قطعة” مثلما يموت معتقلو “صيدنايا” موتا بطيئا أو الهرب من هذا الجحيم بالفرار من الخدمة العسكرية والتي تعني الموت برصاص زملائه ذوي العيون المتربصة.

برع مصطفى القرنة في رفع مداميك هذا السجن النفسي الذي ضرب على البطل، وأبرز قضبان هذا الصراع الداخلي للشخصية، الذي يمتدّ على عشرات الصفحات بصورة ضارية تحبس الأنفاس، وتدخل القارئ في هياج نفسي يشابه أزمة البطل بلغة شفيفة تشابه حديث النفس للنفس.

لا يهدأ هذا الصراع ولا يلتقط القارئ أنفاسه إلا بتغيير الظروف الموضوعية حول البطل وذلك بفرار “الضبع” وهو قائد عسكري كبير له سلطته المطلقة على الحواجز والسجون التي تمتهن إنسانية المواطنين وتختفي فيها الحدود بين الموت والحياة على حد تعبير القرنة، حيث ينتقل خبر موت انشقاق الضبع بين الحواجز كالنار في الهشيم، ويترافق ذلك مع اقتراب عربات الثوار من الحواجز بقصد الاشتباك فما يكون من جنود النظام سوى الفرار وترك مواقعهم للثوار تحت زخ الرصاص الثائر تاركين مواقعهم وآلياتهم وشرفا عسكريا طالما ادعوه زورا.

الرواية هي شهادة صادقة على مرحلة فاصلة في تاريخ سوريا الحديث بين نظام فقد شرعيته ولم يعد يملك سوى شعارات بالية، وبطشا غير محدود لكل من طلب حريته من مواطنيه.

في العاصمة الأردنية عمّان جرى حفل توقيع هذه الرواية في جناح دار “نينوى” الدمشقية التي شاركت في معرض الكتاب الذي انعقد مطلع هذا الشهر، وفي العاصمة الأردنية عمّان توأم دمشق التقيت بأحد الصحفيين السوريين المرموقين أثناء توقيع كتابه، فأفاد بأنه التقى بالمناضل السوري الأممي رياض الترك الذي قبع في سجون النظام السوري على فترات طويلة لا يفصلها سوى سنوات قليلة من الحرية كان آخرها الفترة بين 1980 و1998 والتي أفرج عنه بعدها بوساطة رسمية فرنسية قادها الحزب اليساري في فرنسا، أفاد ذلك الصحفي بأنه عندما زار رياض الترك في منزله في حمص كانت الإضاءة في منزله خافتة ولا يفتح الشبابيك، وعندما تساءل الصحفي عن سبب ذلك أفاد رياض الترك: بأن عيونه قد تعودت على العتمة في محبسه، ولا تقوى على سطوع الشمس.

تجدر الإشارة إلى أن رياض الترك تمكن من الهرب من سوريا من خلال أحد حواجز الفرقة الرابعة في 31 يوليو/تموز 2018 وذلك برشوة بسيطة للقائمين على الحاجز ومن الحاجز دخل إلى تركيا عبر الجبال ومنها غادر إلى فرنسا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *