
قفزت تكلفة نقل النفط عبر الناقلات العملاقة إلى مستويات قياسية، لتضيف أعباء جديدة إلى تجارة الخام العالمية وتزيد تكلفة وصول الشحنات إلى الأسواق، بالتزامن مع اضطرابات حركة الملاحة في الشرق الأوسط وتغير مسارات نقل النفط بسبب الحرب الإيرانية.
وأظهرت بيانات «بورصة البلطيق» في لندن أن تكلفة استئجار ناقلة خام عملاقة لنقل النفط الأمريكي إلى آسيا بلغت نحو 77 مليون دولار، مقابل متوسط 9.2 مليون دولار خلال عام 2025، في قفزة تعكس الارتفاع الحاد الذي شهدته سوق الشحن البحري للخام.
77 مليون دولار لنقل شحنة إلى آسيا
وتكتسب هذه القفزة أهمية خاصة مع تداول العقود الآجلة للنفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل، إذ تستند تلك العقود عادة إلى أسعار الخام عند نقطة التصدير، قبل احتساب تكاليف نقله إلى الأسواق المستوردة.
وبالنسبة إلى شحنة يبلغ حجمها مليوني برميل، تضيف تكلفة الشحن الحالية نحو 38.50 دولار للبرميل إلى تكلفة وصول الخام، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على هوامش المنتجين والتجار ويؤثر في حسابات بيع الشحنات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
وتدفع هذه الزيادة بعض البائعين إلى تعديل أسعار الخام عند نقطة التصدير، خصوصًا في الأسواق التي تعتمد على نقل الشحنات لمسافات طويلة، بهدف تعويض الارتفاع الكبير في تكاليف النقل والحفاظ على القدرة التنافسية للخام.
الحرب الإيرانية تربك حركة الناقلات
ويرتبط الارتفاع القياسي في أسعار استئجار الناقلات بالاضطرابات التي شهدتها حركة الشحن في المنطقة، بعدما أدت الحرب الإيرانية إلى إعادة تشكيل مسارات خروج النفط من الشرق الأوسط وزيادة الوقت اللازم لوصول الشحنات إلى وجهاتها.
وأصبحت الرحلات البحرية أكثر تعقيدًا مقارنة بالفترة السابقة للحرب، مع اضطرار بعض السفن إلى سلوك مسارات أطول، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلة وتقليص المعروض الفعلي من الناقلات المتاحة في السوق.
ورغم تعافي جزء من تدفقات النفط من المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، فإن حركة التجارة لم تعد إلى طبيعتها السابقة، إذ ما زالت المخاطر المرتبطة بالملاحة تؤثر في قرارات شركات الشحن وتجار الخام.
ارتفاع الشحن يضغط على تجارة النفط
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع تكاليف النقل على شركات تشغيل الناقلات، بل تمتد إلى المنتجين والتجار والمصافي والمشترين، خاصة عندما تمثل تكلفة الشحن جزءًا كبيرًا من قيمة البرميل عند وصوله إلى السوق النهائية.
ومع ارتفاع تكلفة الرحلات الطويلة، قد تصبح بعض الشحنات القادمة من مناطق بعيدة أقل جاذبية للمشترين مقارنة بإمدادات أقرب جغرافيًا، وهو ما يمكن أن يعيد ترتيب خريطة تجارة الخام بين مناطق الإنتاج والأسواق المستوردة.
كما يزيد ارتفاع أسعار الناقلات من الضغوط على هوامش المتعاملين، إذ يصبح من الضروري احتساب تكلفة النقل المرتفعة عند تحديد السعر النهائي للشحنة، بدلًا من الاكتفاء بسعر الخام عند نقطة التصدير.
أزمة الناقلات تضغط على إمدادات الخام
وتكشف المستويات القياسية التي سجلتها سوق الشحن عن تأثير اضطرابات الملاحة في سلسلة إمدادات النفط العالمية، فكلما زادت مدة الرحلة، احتاجت التجارة إلى عدد أكبر من السفن لتنفيذ الكميات نفسها من الشحنات.
وبالتالي، فإن ارتفاع زمن التسليم يؤدي عمليًا إلى تقليص الطاقة المتاحة للأسطول، حتى في حال لم ينخفض عدد الناقلات الموجودة حول العالم، وهو ما يفسر جانبًا من القفزة الكبيرة في أسعار الاستئجار.
وتظل أسعار الشحن مرهونة بتطورات حركة الملاحة في الشرق الأوسط، ومدى عودة طرق نقل الخام إلى مستوياتها الطبيعية. وفي حال استمرار الاضطرابات، قد تظل تكلفة نقل النفط عاملًا رئيسيًا في تحديد أسعار الخام بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، إلى جانب تأثيرها في هوامش الشركات وتكاليف الإمدادات العالمية.

التعليقات