في الحروب والأزمات الكبرى، لا تدور المعركة في ميادين القتال وحدها، بل تمتد الى الوعي والرواية وتحديد المسؤوليات. وعندما تواجه سلطة ما إخفاقا سياسيا أو عسكريا، قد تحاول إعادة صياغة حقيقة الصراع، وتصوير المواجهة معها وكأنها مواجهة مع شعب أو مذهب بأكمله. ومن هنا يبرز السؤال: هل هي حرب ضد النظام الإيراني، أم حرب ضد الشيعة؟
الإجابة الموضوعية تقتضي التمييز بين الدولة والنظام، وبين العقيدة الدينية وتوظيفها السياسي، وبين المواطنين الذين ينتمون إلى مذهب معين والسلطة التي تدعي تمثيلهم، فالشيعة جماعة دينية واسعة ومتنوعة، وليست كيانا سياسيا موحدا، كما أن انتقاد سياسات الجمهورية الإسلامية لا يعني العداء للشيعة، تماما كما أن انتقاد سياسات دولة ذات غالبية سنية لا يعني العداء للسنة.
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، قدم النظام نفسه بوصفه نظاما دينيا وثوريا وأصبح توظيف الخطاب المذهبي إحدى أدواته في التعبئة وتبرير جانب من سياساته الإقليمية، لكن توظيف المذهب سياسيا لا يمنح النظام حق احتكار تمثيل جميع الشيعة، ولا يجعل قراراته العسكرية والسياسية تعبيرا عن إرادتهم.
وهنا تكمن خطورة الخلط بين النظام والمذهب؛ إذ ينتقل النقاش من مساءلة السلطة عن قراراتها ونتائجها إلى صراع هوياتي، قد يدفع ثمنه أناس لا علاقة لهم بصنع القرار، ويمنح المتشددين فرصة لتغذية الكراهية. كما أنه يبعد السؤال الأساسي: من اتخذ القرار؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟
التاريخ لا يرحم تزوير المسؤولية
ليست محاولة تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني أو هوياتي ظاهرة جديدة، فقد شهد التاريخ حالات لجأت فيها السلطات والحركات السياسية إلى صناعة عدو وتحميل فئات معينة مسؤولية الهزائم والإخفاقات.
بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، انتشرت أسطورة “الطعنة في الظهر”، التي زعمت أن الجيش الألماني لم يهزم عسكريا، وإنما تعرض للخيانة من الداخل. واستخدمت الرواية لتوجيه الاتهامات الى اليهود واليساريين والسياسيين، وأسهمت لاحقا في تغذية النزعات القومية المتطرفة التي استفادت منها الحركة النازية.
وفي عام 1939، استخدمت الدعاية النازية حادثة مفتعلة عند محطة إذاعية ألمانية على الحدود مع بولندا، لتقديم الغزو الألماني وكأنه رد دفاعي. لم يكن الهدف كشف الحقيقة، بل صناعة مبرر سياسي وعاطفي لحرب كانت القيادة النازية قد قررت خوضها.
ولا تعني هذه المقارنة مساواة النظام الإيراني بالنازية، فلكل تجربة سياقها التاريخي، وإنما المقصود الإشارة إلى آلية سياسية تتكرر: عندما تصبح الحقائق عبئا على السلطة، تحاول تغيير موضوع النقاش، وتقديم نفسها بوصفها ضحية، وتحميل الآخرين مسؤولية النتائج.
من يحتكر تمثيل الشيعة؟
التشيع أوسع من حدود إيران وأقدم من الجمهورية الإسلامية، والشيعة أنفسهم يعيشون في مجتمعات ودول وثقافات مختلفة، ويتباينون في مواقفهم السياسية، فمنهم من يؤيد النظام الإيراني ومن يعارضه، ومن يرفض أصلا إخضاع العقيدة الدينية لسلطة سياسية تحتكر تفسيرها.
كما أن بنية النظام الإيراني نفسها تحدد موقعا مركزيا للمرشد الأعلى، الذي تمنحه المادة 110 من الدستور صلاحيات واسعة تتعلق بالسياسات العامة والقيادة العليا للقوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام. ولذلك فإن مساءلة القيادة السياسية والعسكرية عن قراراتها أمر مشروع، بدل توزيع المسؤولية على ملايين البشر بسبب انتمائهم المذهبي.
فإذا اتخذت القيادة الإيرانية قرارا عسكريا أو تبنت سياسة إقليمية أو دعمت جماعة مسلحة، فينبغي تقييم ذلك القرار وفق أهدافه ونتائجه والجهات التي صاغته ونفذته. أما تحويل هذه السياسات إلى مسؤولية جماعية تقع على الشيعة جميعا، فهو خطأ أخلاقي وسياسي ومنهجي.
وفي المقابل، لا يجوز للمعارضين للنظام الإيراني استخدام خطاب مذهبي يعمم المسؤولية على المواطنين الشيعة، فهذا المسلك يخدم النظام نفسه، لأنه يمنحه فرصة لتقديم نفسه مدافعا عن جماعة مستهدفة، حتى عندما يكون جوهر الخلاف متعلقا بسياساته.
هل يمكن للهروب من المسؤولية تغيير نتائج الحرب؟
قد تتمكن السلطة عبر الإعلام والتعبئة الأيديولوجية من إقناع أنصارها بأن ما تواجهه ليس نتيجة قراراتها، بل مؤامرة تستهدف عقيدتهم وهويتهم. وقد تنجح بذلك في تحويل الغضب من المسؤولين إلى خصوم خارجيين أو داخليين وكسب الوقت.
لكن الدعاية لا تلغي النتائج الفعلية، فالحروب تتحدد بموازين القوى والموارد والقدرات العسكرية والتحالفات والقدرة على الاستمرار. وكذلك لا تختفي الأزمات الاقتصادية بمجرد وصفها بالمؤامرة، ولا تتحول الأخطاء السياسية الى انتصارات بمجرد إعادة صياغة الخطاب.
وقد تستمر الأنظمة سنوات رغم إخفاقاتها، وتنجح في فرض روايتها على قطاعات من المجتمع، لكن استمرار السلطة لا يعني صحة روايتها، كما أن قدرتها على تعبئة الأنصار لا تمنحها حقائق بديلة.
لا تجعلوا المذهب درعا للسلطة
إن السؤال “حرب النظام الإيراني أم الشيعة؟” ليس مجرد اختيار بين تعبيرين، بل اختبار للوعي السياسي والأخلاقي.
إذا كان المقصود مساءلة النظام الإيراني عن قراراته العسكرية والسياسية، وانتقاد مؤسساته وسياساته الإقليمية، وتحديد مسؤولياته وفق الوقائع والقانون، فهذا نقاش سياسي مشروع. أما تقديم الصراع بوصفه حربا على الشيعة لمجرد أن النظام يرفع شعارات دينية شيعية، فهو تعميم لا يخدم الحقيقة، بل يفتح الباب أمام الاستقطاب والكراهية.
وفي المقابل، فإن رفض الطائفية لا ينبغي أن يتحول الى ذريعة لمنع نقد النظام أو إعفائه من المساءلة. احترام الشيعة لا يعني تأييد الجمهورية الإسلامية، وانتقاد الجمهورية الإسلامية لا يبرر الإساءة إلى الشيعة، فالمسؤولية تقع على من يملك القرار، ومن يخطط، ومن ينفذ، ومن تثبت مشاركته بالأدلة، لا على من يشترك مع هؤلاء في عقيدة أو هوية.
لقد أثبت التاريخ أن الروايات المصطنعة قد تحجب الحقيقة مؤقتا، وأن تحميل الآخرين تبعات الإخفاق قد يمنح السلطة مهربا سياسيا عابرا، لكنه لا يلغي المسؤولية، بل إن كلفة التضليل قد تكون أكبر من كلفة الاعتراف بالخطأ، لأنها توسع دائرة الضحايا وتزرع أحقادا قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب.
لذلك، فإن الموقف الأكثر موضوعية ليس الدفاع عن النظام الإيراني باسم الشيعة، ولا معاداة الشيعة باسم معارضة النظام، بل رفض الخلط بين الاثنين، والإصرار على أن تقاس الأنظمة بأفعالها ونتائج سياساتها، لا بالشعارات الدينية التي ترفعها.
الحروب قد تنتهي بهزائم أو انتصارات أو تسويات، لكن الحقيقة لا تتغير بتغيير اسم المعركة، والمسؤولية لا تنتقل من أصحاب القرار إلى جماعة دينية بأكملها لمجرد أن السلطة اختارت الاحتماء بهويتها.

التعليقات