طهران – لم تثنِ الحرب الأميركية والإسرائيلية السلطات الإيرانية عن مواصلة حملة القمع في الداخل، بل دفعتها إلى تشديد قبضتها على المعارضين، مع توسيع الملاحقات لتشمل إيرانيين يقيمون خارج البلاد وعائلاتهم، في وقت تتواصل فيه الاعتقالات والمحاكمات والإعدامات بحق متهمين بالمشاركة في احتجاجات يناير/كانون الثاني التي اندلعت إثر انهيار الريال.
وخلص تحليل أجرته رويترز، استنادا إلى مقابلات مع أكثر من 75 خبيرا في حقوق الإنسان ومحاميا ومواطنا إيرانيا، إلى أن الأجهزة الأمنية والقضاء ووسائل الإعلام الرسمية تعمل بصورة منسقة لقمع المعارضة، عبر الاعتقالات والمحاكمات الجماعية والإعدامات، إلى جانب الضغط على عائلات المعارضين في الخارج.
وتأتي هذه الحملة بعد احتجاجات واسعة بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 على خلفية التدهور الاقتصادي وانهيار قيمة العملة، قبل أن تمتد إلى مدن عدة وتتحول إلى مطالب بتغيير النظام. وتقول منظمات حقوقية إن السلطات شنت منذ ذلك الحين واحدة من أشد حملات القمع في إيران منذ عقود.
وفي يناير/كانون الثاني، اعتقلت السلطات آلاف الأشخاص، واتهمت عشرات المحتجين بالخيانة والتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، أعدمت طهران منذ مارس/آذار ما لا يقل عن 34 متظاهرا على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، فيما أشار مسؤول في منظمة حقوق الإنسان الإيرانية إلى أن أكثر من 10 بالمئة من عمليات الإعدام التي أعلنت بحلول منتصف سبتمبر/أيلول، وعددها أكثر من 560، طالت سجناء سياسيين.
ويظهر الطالب بوريا، البالغ 21 عاما، نموذجا لهذه الحملة، فقد اعتُقل مرتين بعدما صور الاحتجاجات، وأمضى ست ليال في السجن، قبل أن يستدعى مجددا في مارس/آذار ويُتهم بالتسبب في مقتل مسؤول خلال الاحتجاجات.
وحُكم عليه بالسجن ست سنوات بتهم شملت الدعاية ضد النظام والإخلال بالأمن وإثارة الاضطرابات. وغادر إيران لاحقا بكفالة أثناء استئناف الحكم.
وفي أصفهان، بدأت محاكمات جماعية لمعتقلين اتهموا بقتل أفراد من قوات الأمن وإحراق ممتلكات وقيادة الاحتجاجات. ووفقا للجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، حُكم على 12 متهما بالإعدام في جلسة مغلقة، من دون توضيح المسؤولية الفردية لكل منهم، في إجراء قالت اللجنة إنه ينتهك معايير المحاكمة العادلة.
وترافق ذلك مع حملة إعلامية رسمية لتصوير المحتجين باعتبارهم “إرهابيين” أو متعاونين مع أعداء إيران. وبث التلفزيون الرسمي اعترافات لمعتقلين في أفلام وثائقية، بينما نشرت وسائل الإعلام التابعة للسلطة القضائية مواد مصورة من المحاكمات والاعترافات، في وقت تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وسجناء سابقون أن السلطات الإيرانية تستخدم التعذيب وسوء المعاملة لانتزاع الاعترافات.
ولا تقتصر الملاحقة على الداخل، ففي تركيا وأرمينيا وجورجيا، قال إيرانيون شاركوا في احتجاجات مناهضة للحكومة إن السلطات الإيرانية ضغطت عليهم عبر عائلاتهم، وهددت أقاربهم، وجمدت حسابات أو ألغت وثائق سفر، فيما تعرض بعضهم لضغوط من بعثات دبلوماسية إيرانية.
وتقول زهرة، وهي إيرانية تبلغ 23 عاما وتقيم في إسطنبول، إن ضباط مخابرات هددوا والدتها بالاعتقال بسبب منشوراتها على إنستغرام، وطالبوها بالتوقف عن النشاط السياسي.
وفي وقت لاحق، تلقت استدعاء للمثول أمام محكمة إيرانية لمواجهة اتهامات تتعلق بغسل الأموال. كما أبلغتها السلطات، عبر عائلتها، بضرورة التوقف أو العودة إلى إيران.
وتكشف روايات إيرانيين في الخارج عن نمط أوسع من الضغوط، ففي أرمينيا، قال متظاهرون إنهم تلقوا تحذيرات من السلطات المحلية بشأن تهديدات تستهدفهم، بينما قال إيرانيون في تركيا وجورجيا إنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان في تنظيم احتجاجات علنية. كما واجه بعضهم مشكلات في الحصول على جوازات سفر أو تجديد وثائقهم.
وفي الداخل، تبدو آثار الخوف واضحة بصورة خاصة بين الشباب. فقد اعتُقل فتى بلوشي يدعى عباس نيو باجيزهي، وكان يبلغ 15 عاما عند اعتقاله، واقتيد من منزله بعد مشاركته في الاحتجاجات. وبحسب مصدر مطلع على قضيته، ظهر لاحقا في تسجيل مصور معصوب العينين وهو يدلي باعتراف قسري، ولا تزال أخباره محدودة منذ اعتقاله.
وفي أواخر يوليو/تموز، نُصبت مشانق في ساحة عليخاني بأصفهان، حيث أُعدم شابان شنقا علنا، بينما أُعدم سبعة من أصل 12 شخصا صدرت بحقهم أحكام بالإعدام في القضية ذاتها، وفقا لمنظمات حقوق الإنسان وتقارير محلية.
ويرى محامون وخبراء أن تسارع الإجراءات القضائية، وتقليص فرص الاستئناف، والمحاكمات المغلقة، واستخدام الاعترافات المصورة، كلها أدوات لترسيخ الردع. ويقول المحامي سينا يوسفي إن المحاكم التي يفترض أن تحقق العدالة تحولت إلى أدوات للقمع، بينما ترى السلطات الإيرانية أن البلاد تخوض “حربا هجينة” تتطلب مواجهة ما تعتبره تهديدات داخلية وخارجية في آن واحد.
وبينما تواصل السلطات تشديد قبضتها، يعيش معارضون إيرانيون في الخارج بين الخوف على أنفسهم والقلق على عائلاتهم في الداخل. أما بوريا، الذي يعمل في الخارج ويعيش بعيدا عن أسرته، فيلخص حال كثيرين بقوله إن العيش بعيدا عن العائلة، من دون مال أو مساعدة وفي بلد وثقافة غير مألوفين، شعور قاس، فيما يظل هاتفه كل صباح نافذته الوحيدة إلى وطنه.

التعليقات