وبدأت مسيرتها الأدبية المنشورة بكتاب “Eros the Bittersweet” عام 1986، وهو عمل يتناول مفهوم الحب والرغبة في الأدب اليوناني القديم، لكنه يكشف منذ البداية عن الطريقة التي ستميز تجربتها لاحقا: استخدام البحث الكلاسيكي مادة لبناء أدب هجين لا يلتزم بقواعد جنس أدبي واحد.
ومن أبرز أعمالها “Autobiography of Red” الصادر عام 1998، وهو “رواية في شعر” تعيد من خلالها صياغة أسطورة الوحش جيريون والبطل هيراكليس الواردة في الأدب اليوناني القديم، وتنقلها إلى عالم حديث. وقد أصبحت الرواية من أكثر أعمالها شهرة، واعتُبرت نموذجا واضحا لقدرتها على تحويل الأسطورة القديمة إلى قصة معاصرة عن الحب والرغبة والهوية والفقد.
أما كتابها “The Beauty of the Husband” الصادر عام 2001، فيمزج الشعر والسرد والتأمل في شكل أطلقت عليه كارسون “مقالة تخييلية في 29 تانغو”، ويتناول تفكك علاقة زوجية. وفازت عنه بجائزة تي. إس. إليوت، لتصبح أول امرأة تفوز بها.
وفي “Nox” الصادر عام 2010، استخدمت كارسون شكلا كتابيا وتجريبيا غير مألوف لاستعادة ذكرى شقيقها الراحل، فيما واصلت في أعمال أخرى إعادة تفسير نصوص كلاسيكية لشعراء وكتاب من بينهم سافو وسوفوكليس ويوربيديس. وترى الأكاديمية السويدية أن ترجماتها للنصوص القديمة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نقل من لغة إلى أخرى، بل كأعمال أدبية قائمة بذاتها.
وقال أندرس أولسون، رئيس لجنة نوبل للأدب، إن معظم إنتاج كارسون يتمحور حول نقطة التقاء “هوس عالم فقه اللغة بالكلمات” مع رغبة الشاعر في إنتاج معان جديدة، في تفسير يوضح سبب تركيز الأكاديمية على طبيعة مشروعها الأدبي وليس على كتاب واحد بعينه.
ولا تأتي الجائزة من فراغ. فقد حصلت كارسون قبل نوبل على مجموعة كبيرة من أبرز الجوائز والتكريمات الأدبية، بينها زمالة ماك آرثر عام 2000، وجائزة تي. إس. إليوت، وجائزة غريفين للشعر، وجائزة لانان، وزمالة غوغنهايم، كما فازت عام 2020 بجائزة أميرة أستورياس للأدب في إسبانيا، التي وصفتها بأنها واحدة من أبرز كتاب عصرها.
وكان اسم كارسون قد برز بقوة في الساعات والأيام التي سبقت إعلان نوبل. فقد وضعتها مواقع المراهنات، إلى جانب الكاتبة الصينية التجريبية كان شيويه، في صدارة الأسماء المتنافسة، مع إدراج أسماء مثل هاروكي موراكامي وجيرالد مورنان ومارغريت أتوود ضمن المرشحين البارزين.
وجاء اختيارها أيضا في سياق اهتمام متزايد لدى الأكاديمية السويدية بأشكال أدبية غير تقليدية وبأصوات شعرية ونسائية من خارج المركز الأدبي الأوروبي التقليدي. وكانت آخر جائزة قبلها قد ذهبت في 2025 إلى الكاتب المجري لاسلو كراسنهوركاي، بينما فازت الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ بالجائزة في 2024.
وكانت كارسون في آيسلندا عندما تلقت خبر فوزها. وقالت الأكاديمية إنها كانت “تستمع إلى الريح” عندما اتصل بها المسؤولون لإبلاغها بالقرار، وقد فوجئت تماما بالاتصال. وتعيش كارسون في آيسلندا مع زوجها روبرت كوري، وحصل الزوجان على الجنسية الآيسلندية عام 2022. (AP News)
وفي كندا، أثار الإعلان احتفاء واسعا، خصوصا في جامعة تورونتو التي تخرجت فيها كارسون، إذ وصفت الجامعة فوزها بأنه لحظة فخر للمؤسسة ولجاليتها الأكاديمية العالمية.
وتضع الجائزة كارسون في دائرة صغيرة من الكتاب الكنديين الذين وصلوا إلى أعلى تكريم أدبي عالمي، وتعزز مكانة الأدب الكندي على الساحة الدولية بعد عقود من صعود أسماء بارزة مثل أليس مونرو.
لكن أهمية نوبل كارسون تكمن قبل كل شيء في طبيعة الكتابة التي كافأتها الأكاديمية: أدب لا يفصل الماضي عن الحاضر، ولا الشعر عن النثر، ولا الترجمة عن التأليف، ولا الدراسة الأكاديمية عن الخيال. ففي عالم كارسون، يمكن لأسطورة يونانية عمرها آلاف السنين أن تصبح قصة حب حديثة، ويمكن لمقطع مترجم من سافو أن يتحول إلى عمل شعري مستقل، ويمكن لمقال أكاديمي أن يتداخل مع القصيدة والمسرحية.

التعليقات