التخطي إلى المحتوى

في قالب أدبي يجمع بين الفانتازيا البيئية والرواية النفسية وأدب أزمات ما بعد الكارثة، تطل علينا رواية “المنطقة الفضية” للكاتب احمد هاشم العبيدي لتطرح تساؤلات عميقة حول المصير البشري، وقدرة الإنسان على التكيف والتضامن الاخلاقي عندما تتهاوى مظاهر التكنولوجيا والمدنية الحديثة وتسود قوانين الطبيعة المجهولة.

تنساب أحداث الرواية عقب عاصفة غريبة ونادرة تنشأ من القطب المتجمد لتستقر فوق “المنطقة الشمالية”، متبوعة بـ “أمطار فضية” ذات رائحة خاصة تحول شوارع المدينة إلى ما يشبه الفضة المسبوكة. 

وبالتزامن مع سقوط المطر الفضي، يبدأ سكان المنطقة والعالم بالمعاناة من آلام جسدية ونفسية حادة تشبه الوباء. ويكتشف الجيولوجي والباحث الدكتور خلدون مفارقة كبرى، أن موقع العاصفة أصبح يمثل مكانا للشفاء والبلاء في الوقت نفسه، اذ يتوجب على من يعانون داخل المدينة مغادرتها ليبرأوا، بينما يتوجب على المصابين من خارجها التوجه إليها للشفاء، وذلك استناداً الى الشفرات الجينية والانتماء للأرض. 

 ومع اتساع تأثير العاصفة وظهور “الحاجز” البيئي، تتوقف الاجهزة الالكترونية، والاتصالات بالاقمار الصناعية، والاساور المتابعة، وحتى وسائل الطاقة الحديثة. ترجع المنطقة زمنيا إلى وسائل عيش بدائية تعتمد على التدوين الورقي، وعربات الخيول، وطاقة السد الميكانيكية، والإنارة بالنضائد الشمسية والفحم الحجري.

وتتطور الأحداث لتكشف عن توترات بين السكان الأصليين (القاطنين) والوافدين الجدد من خارج المنطقة. وقاد هذا التوتر القائد زيد والمساعد عصام نحو صدامات ومجازر عند الحدود والحاجز، مما دفع الدكتور خلدون ومعه الشاب ليث (صاحب الذاكرة الصورية) والدكتور نزار والاف الوافدين للفرار واللجوء إلى كهوف الجبال الشاهقة والعيش في ظروف مناخية قاسية.

  ويكتشف لاحقاً ان التصرفات العدائية والشحن السلبي لدى القاطنين كانا ناتجين عن تفاعل غاز الكبريت المنبعث من الحقول مع طبيعة “الحاجز” الكوني، ومع زوال تأثير الغاز وهطول الأمطار يعود التسامح والإنسانية لترميم العلاقات بين جميع الأطراف.

الدكتور خلدون الجيولوجي الحكيم الذي تسند إليه إدارة المنطقة الشمالية كحاكم مؤقت في ظل الأزمة يمثل صوت العقل، والحكمة، والرفض التام لإراقة الدماء حتى مع الاعداء.

ليث: راوي أحداث الجانب الأول، موظف الأرصاد الجوية المنطوي والمصاب بشلل جزئي. يمتلك ذاكرة صورية خارقة تمكنه من حفظ الأحداث وتوثيقها بدقة بعد تعطل الأجهزة الإلكترونية والأساور المتابعة.

القائد زيد: قائد القوات العسكرية الذي يتحول من موقف العداء والمطاردة تحت تأثير الغاز والحاجز إلى مواجهة ذاته وتحمل المسؤولية الأخلاقية والبحث عن التكفير والتسامح. 

الأستاذ شريف: معاون الحاكم ذو النبرة الفصيحة والخلفية الإدارية والقلب الطيب، الذي يقود جهود التهدئة وإعادة بناء المنطقة وإحلال السلام بين القاطنين والوافدين.   شهاب (الرجل المسن): صاحب السوار الأزرق، يمثل تجربة الصمود والإفادة من خبرة الماضي في استكشاف الأنفاق والكهوف الشاهقة.

  تظهر الرواية هشاشة الحضارة الرقمية، حيث انهار العالم المعاصر بمجرد تعطل الأجهزة والأساور الإلكترونية، ولم ينقذ البشرية سوى التضامن البشري، والمهارات اليدوية، والعودة لأساليب الزراعة واستخراج الفحم.

  وتتطرق الرواية إلى نزعات الخوف من “الغريب” أو “الوافد” في أوقات الأزمات، وكيف يمكن للظروف البيئية والنفسية أن تؤجج الأحقاد، قبل أن يتغلب جانب الخير والوعي الإنساني مجدداً.

وتحضر الطبيعة في “المنطقة الفضية” بصفة الفاعل الرئيسي الذي يعاقب ويكافئ، ويعيد تشكيل أجساد وسلوكيات البشر وفق قوانين جديدة تُعجز العقل العلمي التقليدي.   تعد رواية “المنطقة الفضية” لاحمد هاشم العبيدي إضافة متميزة لأدب العزلة والمغامرة الفلسفية، إذ توازن بين الإثارة والتشويق في ملاحقة احداث الكارثة، وبين الغوص في اعماق النفس البشرية وهي تحاول الحفاظ على انسانيتها وسط ثلوج الجبال وظلمة الكهوف.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *