قلة من الرؤساء الأميركيين أثاروا من الكراهية ما أثاره ريتشارد نيكسون (1913-1994). ففي الذاكرة الجماعية الأميركية، يجسد نيكسون مجمل الرذائل الأخلاقية التي يمكن أن تنسب إلى رجل دولة: من استغلال الهستيريا المعادية للشيوعية في أربعينيات القرن العشرين، وصولا إلى فضيحة ووترغيت عام 1974، يبدو نيكسون الوجه المظلم للديمقراطية الأميركية. ومن المتعذر في الولايات المتحدة الحديث عنه دون اتخاذ موقف منه، أو دون استخلاص استنتاجات سياسية وأخلاقية تتجاوز بكثير حدود ولايتي هذا السياسي القادم من كاليفورنيا.
وقد تناول رومان هوريه، الأستاذ المحاضر في جامعة ليون الثانية، في كتابه “من أميركا العادية إلى الدولة السرية: حالة نيكسون” De l’Amérique ordinaire à l’État secret : le cas Nixon، لرئيس تحوّل مع مرور الزمن إلى أحد أماكن الذاكرة الأساسية في تاريخ أميركا خلال القرن العشرين. ويقال إن نيكسون ألهم جورج لوكاس في ابتكار شخصية دارث فيدر؛ وفي فيلم أوليفر ستون، حيث أدى دوره الممثل الشكسبيري أنتوني هوبكنز، يبدو نيكسون أقرب إلى ريتشارد الثالث، إذ يزعزع تفاؤل المدينة القائمة على التل بصعوده إلى السلطة، ولا أخلاقيته، وممارسته لنزعة ارتياب مرضية وخطيرة.
لقد أعيد تشكيل صورة الرجل بالكامل: فأميركا نيكسون ليست أميركا الآباء المؤسسين، ولا أميركا لينكولن وروزفلت. إنها أميركا أخرى، عنيفة، بلا وازع، ذات أخلاق تتبدل بحسب الظروف، وقادرة على ارتكاب أسوأ الأفعال في سبيل تحقيق أهدافها. ومن الصعب جدا أن ننأى بأنفسنا عن ظاهرة نيكسون، عن هذه الصورة المتخيَّلة التي تعيد أميركا إلى ثنائيتها الأخلاقية الصارمة وإلى الجانب المظلم الذي لا بد أن يكون لها نصيب منه.
ويتمكن رومان هوريه، بصفته فرنسيا، وبالتالي بعيدا عن القيود الفكرية وقيود الذاكرة التي تحيط بالدراسات المتعلقة بنيكسون في الولايات المتحدة، من أن ينأى بذكاء كبير عن هذا الخطاب الأخلاقي، بل الوعظي أحيانا. وهو يحاول أن ينزع عن نيكسون صورته النمطية بوصفه نموذجا أسود للشر، لكي يحلل بهدوء أكبر ظروف صعوده، وكيف مارس الرئاسة، والأثر الذي تركه في الذاكرة الأميركية. والعودة إلى نيكسون تعني هنا ألا نكتب سيرة وقائعية فحسب، وألا نثقل صورته بذلك الحمل النفسي الهائل الذي التصق بها، بل أن نفهم نيكسون وعصره، والعوامل التي صنعت نجاحه، والآليات التي أسهمت في شيطنته.
ومن الصعب القول إن دراسة هوريه عن نيكسون هي أفضل ما كُتب بالفرنسية عن هذا الرئيس، إذ إنها، في واقع الأمر، تكاد تكون الدراسة الوحيدة. لكنها دراسة رصينة، غنية بالمعلومات، وذكية. وُلد نيكسون في أسرة من التجار الكويكرز في كاليفورنيا، وهو في نظر هوريه أميركي عادي، لا يتميز بصفات استثنائية. وعلى خلاف أرستقراطيي الساحل الشرقي، جاء نيكسون من بيئة شعبية كانت تشهد صعودا اجتماعيا، واستفاد من الانفتاح التدريجي للجامعات الأميركية ليحصل على دراسة في القانون. وبعد أن أصبح محاميا في مقاطعته، واشتهر بموهبته الخطابية، نجح في إقامة علاقات متينة مع أوساط رجال الأعمال. ثم جاءت خدمته في الجيش خلال الحرب العالمية الثانية، حيث لم يشارك فعليا في القتال، تلتها فترة في الأوساط الإدارية بواشنطن، فمنحته هذه الخبرة وزنا كافيا لتبرير ترشحه في انتخابات عام 1946.
وخلال ست سنوات فقط، أصبح الرجل الثاني في الدولة، في صعود خاطف أتاحه التغيير الجيلي الذي فرضه تراجع نفوذ المسؤولين المنتخبين في عهد الصفقة الجديدة التي أطلقها روزفلت. وساعده أيضا أسلوب سياسي جديد قوامه الحملة الإعلامية الدائمة التي راحت، في أعقاب المكارثية، تعلن بصوت عال أنها تحارب أعداء أميركا، أي الشيوعيين.
رفعت قضية ألجر هيس نيكسون إلى مصاف الشخصيات الوطنية، كما أن تموضعه إلى يمين الجمهوري المعتدل دوايت أيزنهاور، المرشح الجمهوري في انتخابات 1952، جعله خيارا منطقيا لمنصب نائب الرئيس. وعلى مدى ثماني سنوات، أقام علاقات دولية واسعة، واتخذ، خلافا لما كان المحافظون يتوقعونه منه، موقفا منفتحا جدا، بل ليبراليا بالمعنى الأميركي للكلمة، تجاه عدد من القضايا الاجتماعية، ومنها الحقوق المدنية.
ولم يشكك نيكسون قط في المبادئ الكينزية والليبرالية التي كانت تهيمن بلا منازع على الحياة السياسية في تلك المرحلة. ولم يكن، بأي حال، إرهاصا بصعود المحافظية الجديدة التي حمل لواءها لاحقا غولدووتر وريغان. وبعد أن اتجه إلى الوسط، أصبح المرشح الطبيعي للجمهوريين عام 1960.
لكنه كان غير مرتاح في حملة انتخابية بدأها متأخرا، وأربكه الدور المتنامي للتلفزيون وما فرضه من قواعد جديدة في الخطاب السياسي والحضور أمام الجمهور، فخسر بفارق ضئيل جدا أمام المرشح الديمقراطي الشاب ذي الكاريزما، جون كينيدي. وفي الولايات المتحدة، يصعب تجاوز هزائم من هذا النوع: فالفشل في الانتخابات الرئاسية يكون، في العادة، نهائيا؛ ومن حاولوا، مثل ويليام جينينجز برايان أو أدلاي ستيفنسون، العودة إلى المنافسة لم يفوزوا قط.
ومع ذلك، فإن تعثر الديمقراطيين في فيتنام، وسياسات الهندسة الاجتماعية التي انتهجتها إدارة جونسون، وفشل الجمهوري المحافظ غولدووتر في انتخابات 1964، أتاحت لنيكسون العودة إلى الحياة السياسية. ويبيّن هوريه كيف عدّل نيكسون موضوعات حملته بما يتلاءم مع الاضطراب الاجتماعي الذي ميّز ستينيات القرن العشرين: ففي مواجهة الأقليات الصاخبة المطالبة بحقوقها -من الطلاب المناهضين للحرب، والسود، واليساريين- وجّه خطابه إلى الأغلبية الصامتة، أي العمال وأبناء الطبقتين الشعبية والوسطى الذين يعيشون في الضواحي ويرفضون اضطرابات الجامعات ومراكز المدن التي تحولت إلى أحياء مهمشة؛ وقد تركت أحداث مثل اضطرابات حي واتس ومؤتمر الحزب الديمقراطي في شيكاغو أثرا عميقا في النفوس.
ولم يكن نيكسون، في هذا السياق، ديماغوجيا شعبويا يتلاعب بالجماهير، بل استراتيجيا انتخابيا أدرك أن استدعاء محسوبا لعدد من القيم الأساسية في الأيديولوجيا المدنية الأميركية، في ظل عمل مؤسسات سياسية مضطرب، سيمنحه دعم أغلبية مواطنيه.
وغالبا ما تحجب النهاية العبثية لولايتي نيكسون ما تخللهما من سياسات، لذلك جاء تقييمهما متباينا: يُعترف له بأصالة سياسته الخارجية، لكن يُنتقد افتقارها إلى البعد الأخلاقي؛ كما يأخذ عليه المحافظون حذره الاقتصادي، بينما ينتقده الديمقراطيون لتسرعه في التراجع عن إرث المجتمع العظيم الذي أسسه جونسون.
أقام نيكسون علاقات مع الصين الشيوعية، الأمر الذي أسهم في دفع الاتحاد السوفييتي إلى القبول باتفاقات للحد من التسلح. وأنهى -وبأي ثمن بشري!- حرب فيتنام، ودعم، من دون كثير من التحفظات، الأنظمة العسكرية في أميركا الجنوبية، وأبطأ برامج مكافحة الفقر والتجارب الاجتماعية المرتبطة بها، وحاول تبسيط نظام المساعدات الاجتماعية من دون أن يمس الأسس الكينزية التي قامت عليها. وقد أتاح غياب التحفظات الأخلاقية في السياسة الخارجية تحقيق بعض الإنجازات المهمة، لكنه لم يرفع كثيرا من المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة.
أما اقتصاديا، فلم يقطع نيكسون مع السياسات التي سبقته؛ إذ كان لا بد من انتظار عهد ريغان لكي يحدث ذلك. ومع ذلك، فإن هذا السجل لا يحتل مكانا كبيرا في الذاكرة الأميركية مقارنة بفضيحة ووترغيت، وهي قضية تجسس وضيعة انتهت بفقدان نيكسون رئاسته.
والقصة معروفة جيدا: ففي أثناء الحملة الرئاسية لعام 1972، جاءت مجموعة من الرجال الأقوياء لإصلاح أجهزة تنصت معطلة كانت قد زُرعت قبل ذلك بقليل في مقر الحزب الديمقراطي. بدأت الصحافة تتساءل عن الصلات بين من قيل إنهم لصوص وبين إدارة نيكسون. فاختارت الإدارة الإنكار والمماطلة، ثم كشفت إحدى التحقيقات البرلمانية، عرضا، أن نيكسون كان يسجل جميع المحادثات التي تجري في مكتبه.
طالبت العدالة بتسليم التسجيلات. وبعد سلسلة طويلة من المراوغات، سلّم نيكسون الأشرطة، لكن أحدها كان قد فقد منه مقطع مدته 18 دقيقة ونصف. وهنا انتهى كل شيء. فقد كانت هذه المناورة الأخيرة من جانب الرجل الذي كانت الصحافة تطلق عليه أحيانا لقب “ديك المراوغ” (Tricky Dick)، في إشارة ساخرة إلى لقبه “ديك” (Dick)، كفيلة بأن يتخلى عنه الحزب الجمهوري. ولتجنب الإذلال الذي كان سيترتب على عزله، استقال. ولم تدم ولايته الرئاسية الثانية سوى عام ونصف.
لكن الدولة السرية التي أتاحت وقوع ووترغيت لم ينشئها نيكسون؛ فقد كانت ثمرة سلسلة متعاقبة من الأجهزة الأمنية التي أُنشئت عبر السنوات، والتي دفع غموض عملها عددا متزايدا من الأميركيين إلى الاقتناع بوجود دولة خفية تسعى إلى الإضرار بالديمقراطية والعدالة.
ولم تكن قضية التجسس مهمة في حد ذاتها، بقدر ما كانت مهمة لما تمثله: رئيس يتجسس على خصومه، ويخفي الحقيقة، ويتلاعب بشعبه من دون أن يبدي أدنى إحساس بالمسؤولية الأخلاقية. وهذه الثغرة الأخلاقية هي التي كرّست حضور نيكسون في الذاكرة الأميركية اللاحقة. ومن هنا ستولد نظريات المؤامرة، تلك الأساطير الحديثة التي تعود جذورها في كثير من الأحيان إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
وبفضل ووترغيت، استعادت الصحافة شرعيتها الأخلاقية ودورها بوصفها السلطة الرابعة. لقد كادت ممارسة نيكسون للسلطة أن تخلّ بالتوازنات العامة للديمقراطية الأميركية، لكنها، في الوقت نفسه، كشفت عن أكثر جوانبها قتامة، أي تلك الجوانب التي يفترض أن تثير في الظروف الطبيعية رد فعل رافض من المجتمع.
وعلى الرغم من محاولات بعض الأطباء النفسيين والمحللين النفسيين الهواة تفسير شخصيته بالجنون والسلوك المنحرف، فإن نيكسون يقاوم أي تحليل تاريخي يُختزل في مفهومي الجنون والسلوك المنحرف. فهوريه يربطه بالاتجاهات العامة التي كانت تسود المجتمع الأميركي. ويعيد إدماج نيكسون في عالمه التاريخي، فلا يعود شذوذا استثنائيا مشوها بطبيعته، بل انحرافا كان ممكنا، بل متوقعا إلى حد بعيد، في ضوء تطور النظام السياسي الأميركي.
يقدم رومان هوريه تحليلا دقيقا وغنيا بالمعلومات، ولعل القارئ سيتمنى لو كان أطول. إن صعود ابن الطبقات الوسطى، الذي أتاحه تجدد الحراك الاجتماعي، يكشف مدى اتساع المجال السياسي الأميركي خلال القرن العشرين. فالممارسات الانتخابية والحكومية العنيفة ليست مجرد انعكاس لشخصية مضطربة، وإنما مؤشر أيضا إلى اعتياد المجتمع الأميركي على العنف السياسي.
أما الفشل النهائي، فيكشف عن قدرة مجتمع متجذر بعمق في منظومة من القيم الديمقراطية على استعادة توازنه، وهي منظومة ترفض الإفراط وتدفع به إلى الهامش. لقد أصبح نيكسون أسطورة لأن صعوده وسقوطه يتجاوزان الحالة الفردية وحدها، مهما كانت أهمية تحليل شخصيته نفسيا، ليكشفا عن كيفية عمل أميركا التي تتجاذبها، من جهة، المبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها مشروعها السياسي، ومن جهة أخرى، الممارسة السياسية التي تقتضيها محاولة تحقيق هذا المشروع.
ويبيّن هوريه أن ريتشارد نيكسون أصبح في الذاكرة الأميركية شيئا يتجاوز بكثير الرجل الذي حمل هذا الاسم، ذلك السياسي الذي ينبغي ألا تُضخَّم خصوصيته التاريخية. لقد أصبح تجسيدا للجانب المظلم الكامن في كل ديمقراطية. وما زال يرمز، حتى اليوم، إلى المسافة الفاصلة بين المبادئ التي تقوم عليها دولنا الحديثة وبين ترجمة تلك المبادئ إلى ممارسة فعلية.
وهنا تكمن قوة عمل رومان هوريه: في هذه النظرة السيرية المتجردة، التي تستخدم شخصية نيكسون التاريخية وخصوصيات مساره السياسي أداة لتحليل المجتمع الأميركي وتطوره خلال القرن العشرين.

التعليقات