التخطي إلى المحتوى

في مقابلة أجريت مع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وضمن اجابته عن سؤال كيف أثّرت خبرته الصحفية في كتابته يجيب: “مع مرور الوقت سيتقارب الأدب والصحافة، اللذان كانا حتى الآن نشاطين متوازيين. وأنا أبحث الآن عن توليفة بينهما”. هل ثمّة توليفة أكبر من أن يتحولّ تقرير صحفيّ إلى رواية؟

في عمله الروائيّ “غابة” الصادر عن دار نوفل، يُدخلنا الكاتب اللبنانيّ سمير يوسف إلى عالم يقوم في أساسه على التشابك بين هذين القطبين مستعيناً بشخصية الراوي الصحفي الذي أُرسل في مهمة تقتضي ملاحقة خبر عن حريق وقع في قرية فرنسية تدعى ميتسا أسفر عن التهام النيران للمشروع العمرانيّ التكنولوجي قيد الإنشاء في قلب الجبل، لينتهي بكتابة رواية عن الحدث.

إنّ “غابة” هي أشبه بصلاة أوليّة للطبيعة. صلاة تصعدُ لتقديس الجمال الذي يتبدّد من حياة الانسان أمام ماكينة الثروة حيث العجلة الاقتصادية تطحن الروح والجمال في حياتنا وتحوّل البشري فينا إلى مجرّد سلعة. “أليس هذا العالم الافتراضي محفّزًا على الاستهلاك وجنون العلاقات وعلى الحبّ السريع والخاطف لكلّ ما هو زائل؟”.

صلاة لم يدخل فيها توماس (الشخصية الرئيسة) إلى محراب ليصلّي بل صعد إلى الجبل حيث النقاء والثلج حاملاً البنزين جاعلاً النيران تلتهم البيوت الخشبية والجرافات والآلات؛ كل ما هو دخيلاً  على الطبيعة، مُطهّراً هذه البقعة مما استعمر نواحي أخرى من الأرض، على وقع أنغام أغنية ل بريجيت فونتان.

نتتبّع مسار أربع شخصيات في خوضها حرباً للدفاع عن الجبل بوجه الاستعمار التكنولوجي، حيث تنقسم الآراء في القرية بين الفريق المعارض والذي يتألف من (توماس، إيلينا، ماكس والفتاة الشابة) أمام الفريق الآخر الذي استحسن قيام المشروع ورأى فيه خلاصاً وتطوّراً للقرية وفرص عمل مستقبلية للأبناء.

كما في كلّ قضية لا بدّ من أضحية تذهب فداء. وهنا يتمثّل موت الفتاة الشابة التي ذهبت كأضحية عند أقدام الغابة بموت النقاء. لتبرز اشكالية جديدة: ما الذي يعنيه الجمال وحده بعيداً عن النقاء؟

أنت على موعد مع ايجاد أجوبة لمشهديات كثيرة: كيف تتحوّل القداسة إلى خراب. وإلى أيّ مدى يستطيع المرء أن يطيح بأيّ شيء حتى نفسه من أجل قناعاته.  “هي تؤمن بأنّ الجمال الذي يُحيط بها يساهم كلّ يوم في تكوينها”.

تبرز شخصية توماس كإشكالية فلسفية باحثة عن الجمال الأصيل والقيمة المتمثّلة في كل ما هو حامل للذكريات داخل عالم أصبح عبداً للتكنولوجيا ومفرّغاً من الحسّ الجمالي والمفاهيم الكبيرة كالانتماء والحب التي تصبّ في أساس حياتنا كبشر. “الحياة غير ممكنة وغير معقولة من دون الجمال”.

ينزعُ توماس صوب الجمال وملاحقته في جميع ما يختاره بدءاً من اللادا القديمة التي يركبها إلى الحذاء الذي ظلّ لستة شهور باحثاً عنه. حاملاً رؤية تكاملية عن الجمال في ذاته ولذاته “أين الاعتبار الذي يجب على البشر أن يقدّموه للجمال والسحر؟”.

شخصيّة نوستالجيّة متمرّدة على هذا الاختفاء السريع لما يتمتع بالجمال والاصالة في عالمنا اليوم، يرى توماس أنّ النوستالجيا  “سلاحه في وجه الزمان الذي يُبدّد كلّ شيء، في وجه هذا الزمان تحديداً الذي يُطالبنا بشكل دائم بالسرعة والذي اختار لغةَ ال scroll down”.

‎ يتمتع الكاتب بتلك البراعة التي تجعل المكتوب مرئياً، وفي توظيفه لحسّ الكوميديا في بعض المشاهد والحوارات وذلك يخلق متعة للقارئ وألفة مع النصّ. جاء المجاز في صورة اليعاسيب الملوّنة التي يراها توماس وحده كدلالة على مسألة الخير والشر في العالم التي لا تنفصل عن الجمال؛ إذ إنّ انتصار الجمال يعني انتصار الخير وتحقيق العدالة. 

‎لا يتوقف سمير يوسف عن طرق كلّ سَمْت ممكنٍ، يمشي صعوداً من فسحة الارض حتى السماء، يمشي على خطّ واحد من الواقع المعروف منطلقاً صوب المجازات، شارحاً على لسان توماس ما تعنيه غابة وما يعنيه أن يختفي الجمال من العالم. فاختفاء الجمال هو أيضاً اختفاء للإنسان.

مقدّماً تساؤلاً تنويريّأً على خطى فصل الدين عن الدولة “إذا ما حان الوقت لفصل رأس مال الأغنياء والشركات العملاقة عن الدولة” أيضاً.

يستخلص الراوي الصحفي عن سبب توثيقه لهذا الحدث: “كنت مدفوعاً بالدرجة الأولى بتلك الرغبة في تدوين حدثٍ مختلفٍ جدّاً عمّا أراه في عملي الصحافي” ليعلّمنا بأنّ ليس الحدث وحده هو العامل الذي يشدُّ الانتباه ولا الأسباب الظاهرة التي أدّت إلى نشوب الحريق والتظاهرات والموت، حتى الأفراد المعنيين بذلك؛ والتي يتوقّف عندها التقرير الصحفي، بل علينا النظر دائماً إلى الابعد حيث المضامين التي نحملها تحت غطاء الشخصيات، القضايا العادلة التي ننخرط فيها، التي تجعل حتى من العنف يبدو جميلاً. قائلاً على لسان توماس “كان عنفاً جراحياً وموضعيًّا ومدروسًا، كان جميلاً أيضًا”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *