التخطي إلى المحتوى

تونس ـ في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، عاش جمهور أيام قرطاج الموسيقية مساء الأحد 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عرضا موسيقيا للفنانة المغربية أووم، حمل إلى الخشبة ملامح من الذاكرة الصحراوية والمغربية، وفتحها في الوقت نفسه على أفق موسيقي معاصر يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

وقدمت أووم خلال العرض تجربة فنية تقوم على المزج بين جذور موسيقية متصلة بالبيئة الصحراوية والمغربية، وبين أساليب حديثة في الأداء والتوزيع، لتصوغ عالما صوتيا تتجاور فيه الذاكرة مع التجريب. ولم يكن حضور العناصر التراثية مجرد استعادة للماضي، بل جاء جزءا من رؤية فنية تعيد قراءة الموروث من خلال لغة موسيقية حديثة.

ومنذ اللحظات الأولى، تفاعل الجمهور مع صوت أووم وأسلوبها في الأداء، حيث بدت الأغنية مساحة للتعبير عن الانتماء والرحلة والحنين، بقدر ما هي تجربة موسيقية قائمة على الإيقاع والنغم.

وأسهم هذا التداخل في منح العرض خصوصيته، خصوصا مع قدرة الفنانة على الانتقال بين المقاطع الهادئة والإيقاعات الأكثر حيوية، دون أن تفقد تجربتها انسجامها العام.

وتستند تجربة أوم إلى اهتمام واضح بالموسيقى المغربية وتنوع روافدها، مع حضور خاص للموروث الصحراوي بما يحمله من إيقاعات وأنماط غنائية مرتبطة بالبيئة والذاكرة الجماعية.

ولا تقدم أن الفنانة هذه العناصر في صورتها التقليدية فقط، بل تعمل على إعادة صياغتها ضمن تركيبة موسيقية تستفيد من تأثيرات عالمية، وهو ما يجعل تجربتها مفتوحة على جمهور ينتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة.

وفي عرضها ضمن أيام قرطاج الموسيقية، بدا هذا التوجه واضحا من خلال التفاعل بين الصوت والآلات والإيقاع، إذ تحولت الخشبة إلى فضاء تلتقي فيه الموسيقى المغربية مع الحس الإفريقي والمتوسطي والعالمي. وبذلك لم تقتصر التجربة على تقديم نماذج من الأغنية المغربية، وإنما سعت إلى بناء حوار موسيقي بين الذاكرة المحلية والمشهد الموسيقي المعاصر.

كما حملت الأغاني التي قدمتها أووم أبعادا إنسانية تتصل بالحب والحرية والهوية والبحث عن الذات، وهي موضوعات تمنح تجربتها قابلية للانتقال من سياقها المحلي إلى فضاء أوسع، فالموسيقى، في تصورها الفني، لا تتوقف عند حدود اللغة أو الجغرافيا، بل تستطيع أن تنقل الأحاسيس وتبني جسورًا بين الثقافات.

وشكل حضور أوم في أيام قرطاج الموسيقية مناسبة للجمهور التونسي لاكتشاف تجربة مغربية تنتمي إلى جيل من الفنانين الذين يعملون على تطوير العلاقة بين التراث والموسيقى الحديثة، كما يعكس اختيارها ضمن برمجة التظاهرة توجه المهرجان نحو تقديم تجارب عربية وإفريقية متنوعة، تجمع بين الخصوصية الفنية والانفتاح على التجارب الموسيقية العالمية.

وبين استحضار الصحراء وملامح الذاكرة المغربية والانفتاح على إيقاعات وأساليب موسيقية مختلفة، قدمت أووم عرضا يؤكد أن التراث يمكن أن يكون نقطة انطلاق للتجديد، لا قيدًا على الإبداعK وهي مقاربة تجعل من الموسيقى وسيلة لاستعادة الذاكرة وإعادة تقديمها بلغة قادرة على الوصول إلى أجيال جديدة.

وهكذا شكلت مشاركة أووم في أيام قرطاج الموسيقية محطة موسيقية جمعت بين الهوية والتجريب، واستطاعت أن تمنح الجمهور التونسي تجربة تستحضر جذورا مغربية وصحراوية، بينما تفتح في الوقت ذاته المجال أمام حوار أوسع بين الثقافات والإيقاعات والتجارب الفنية المختلفة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *