التخطي إلى المحتوى

يُعتبر إفّيه “أحلى من الشرف مفيش.. يا آه يا آه” الذي أطلقه الفنان توفيق الدقن في فيلم “أحبك يا حسن” (1958) – بطولة شكري سرحان ونعيمة عاكف إخراج حسين فوزي – أحد أعمق الإسقاطات الساخرة في تاريخ السينما المصرية؛ حيث يمثل قمة المفارقة الكوميدية والسلوكية لشخصية الشرير الهامشي.

يكمن سر الكوميديا في الفجوة الواسعة بين “القول” و”الفعل”؛ فالعبارة تصدر من شخصية “عبده دانص”، وهو رجل بلطجي وخارج عن القانون ويمتهن القوادة. وحديثه عن “الشرف” يحمل تهكمًا ضمنيًّا، فالشخصية تدرك تمامًا قذارة أفعالها، لكنها تستخدم اللفظ كدرع واهٍ للتمويه والتعايش مع انحطاطها القيمي.

ينتمي توفيق الدقن (1924 – 1988) للمدرسة الاندماجية السيكولوجية؛ لم يبتكر اللعبة من فراغ، بل استوحاها واقتبسها من شخصية حقيقية لبلطجي (فتوة وقوَّاد) كان يجلس على مقهى بشارع عماد الدين. لم يكتفِ الدقن بنطق الكلمة، بل أرفقها بالحركة الشهيرة (ربط إصبعه والإشارة به كترباس يفتح ويقفل) مع تنهيدة “يا آه يا آه” المتهكمة، مما منح الجملة طاقة سينمائية فريدة جعلتها تعيش لعقود طويلة.

يُعري “الإفيه” طبقة من الفئات الهامشية أو الإجرامية التي تتشدق بالشعارات الأخلاقية (مثل الشرف والأمانة) بينما تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، وهو إسقاط مجتمعي ممتد وصالح لكل زمان ومكان.

رُغم بساطة الكلمة، إلا أنها واجهت هجومًا من بعض الدعاة والمحافظين (كالشيخ عبد الحميد كشك) بدعوى أنها “تُفسد الذوق العام وتستهزئ بالقيم”، وهو ما يثبت قوة تغلغل الإفيه في الشارع المصري وقدرته على هز الوعي الجمعي.

تبدأ الجملة بصيغة التفضيل المطلق (أحلى) متبوعة بأداة النفي القاطعة (مفيش)، لتوحي في ظاهرها بتقديم حقيقة مطلقة لا تقبل الجدال (الشرف هو الأسمى). ويحدث الانزياح عندما ينطق اللفظ “شخصية دانص”؛ هنا تفرغ كلمة “الشرف” من معناها الأخلاقي المعجمي، وتتحول إلى أداة تهكمية. الكلمة هنا لا تعني “العفة”، بل تعني “التجارة بالعفة”.

جملة “يا آه يا آه” تعمل كبنية إيقاعية؛ وهي ليس كآهات ألم، بل كآهات “التلذذ بالخطيئة” أو “التأكيد الساخر” الذي يكسر وقار الكلمة السابقة عليها.

إن العقل الباطن للشخصية المنحرفة يلجأ إلى المبالغة في تمجيد الفضيلة التي يفتقدها ويدمرها في الواقع، وذلك لتخفيف شعور الذنب الداخلي، أو لخلق درع نفسي يحميه من نظرة المجتمع وصمته بالعار. فـ “عبده دانص” شخصية سايكوباتية (مضادة للمجتمع)، لكنها لا تشعر بالبؤس. الإفيه يعكس تصالحًا مع الذات؛ الشرير هنا لا يداري شره، بل يتسلَّى به، ويستخدم “الشرف” كلعبة لفظية يمارس من خلالها نفوذه النفسي على الضحايا.

يجسد الإفيه الفلسفة العدمية في أبهى صورها؛ حيث يتم تسليع القيم. وتصبح الفضيلة المطلقة (الشرف) نسبية وخاضعة لقوانين السوق والبلطجة.

يسخر الإفيه من الثنائيات التقليدية (خير / شر، طهر / دنس). وعندما يقول القواد “أحلى من الشرف مفيش”، فإنه يهدم الحدود الفلسفية الفاصلة بين النقيضين، ويجعل “الشر” يتحدث بلغة “الخير” ليثبت زيف المنظومة الأخلاقية السطحية للمجتمع.

المدلول التقليدي لكلمة “الشرف” هو العفة والمبادئ. والمدلول الجديد (السينمائي) هو الدعارة، والنفاق، والتبجح. والحركة الشهيرة لتوفيق الدقن (إصبع السبابة والابهام وهما يتحركان كترباس أو قفل) هي علامة سيميائية مكملة؛ تشير ميكانيكيًّا إلى “الإغلاق المحكم” أو “الصفقة الناجحة”، مما يحول مفهوم الشرف المجرد إلى “عملة أو سلعة” يمكن فتحها وإغلاقها حسب الطلب.

عُرض الفيلم في مرحلة تحول اجتماعي وسياسي بعد ثورة 1952. حيث كان المجتمع المصري يُعاد تشكيله، وتطفو على السطح فئات هامشية تحاول الصعود أو التكيف مع العهد الجديد.

وقد تحوَّل الإفيه من سياقه الزمني المحدود (فيلم “أحبك يا حسن”) إلى “زمن ممتد”. وأصبح يُستدعى تلقائياً في الوجدان الشعبي المصري والعربي في كل مرة يرى فيها الجمهور “مسؤولاً فاسدًا، أو شخصًا منافقًا” يتحدث عن النزاهة؛ مما منحه مرونة زمنية جعلته حيًّا حتى اليوم.

عندما يشاهد المتلقي شخصية شرير في السينما التقليدية، يتوقع خطابًا شريرًا ومخيفًا. لكن توفيق الدقن خرق “أفق التوقع” هذا؛ فبدلاً من أن يهدد بالقتل، تغنَّى بالشرف. هذا الصدمة المعرفية فجَّرت ضحك الجمهور.

المتلقي هنا ليس سلبيًّا؛ هو يعلم أن الممثل يكذب، ومن خلال ملء الفراغات، يصبح الجمهور شريكًا في السخرية. الجمهور لا يضحك على النكتة، بل يضحك على “الفضيحة الأخلاقية” التي كشفها توفيق الدقن بمشرطه الفني الفكاهي.

وقد تفاجأت الرقابة والمؤسسات الرسمية والدينية عند انتشار إفيه “أحلى من الشرف مفيش”، وتراوحت الردود بين المنع الرسمي، والهجوم الديني، والقبول الشعبي الجارف. وتجسد هذا التفاعل في ثلاثة مسارات رئيسية: موقف الرقابة الفنية (المقص والمنع) بالحذف من الإذاعة. ولكن لم تتدخل الرقابة لمنع الفيلم سينمائيًّا عند عرضه عام 1958، ولكن الأزمة الحقيقية بدأت عندما تسرب الإفيه إلى “المسلسلات والبرامج الإذاعية”. فقررت رقابة الإذاعة المصرية حينها منع بث الجملة نهائيًّا عبر أثير الراديو؛ بدعوى أنها “عبارة خادشة للحياء العام، وتهكم غير لائق بلفظ أخلاقي وقيمة سامية كالشرف”.

وقد واجه الفنان توفيق الدقن لسنوات تضييقًا رقابيًّا غير مكتوب؛ حيث كان يُطلب من المخرجين مراجعة حواراته لضمان عدم ارتجاله إفيهات مشابهة تحمل طابع التشكيك الساخر في القيم المجتمعية.

وهناك موقف الشرائح الدينية (الهجوم والتحريم) مثل هجوم الشيخ عبدالحميد كشك، حيث قاد هذا الداعية هجومًا ضاريًا من على منابر المساجد ضد الفيلم والإفيه؛ وأوضح في خطبه أن الجملة تمثل “استهزاءً علنيًّا بالدين والأخلاق”، وتعمل على “تطبيع الرذيلة” بجعل اللصوص والقوادين يتلاعبون بكلمة الشرف وسط ضحكات الجمهور.

ورأت بعض الجمعيات والمؤسسات المحافظة في تلك الفترة أن هذا النوع من الكوميديا يفسد الذوق العام للشباب ويقلل من هيبة القيم الأخلاقية في المجتمع.

إن تفاعل الشارع والرقابة المجتمعية أخذ منحى غريباً أثّر على حياة توفيق الدقن الشخصية؛ حيث روى ابنه “ماضي الدقن” في لقاءات تليفزيونية أن الجمهور استقبل الإفيه بدرجة من الواقعية الشديدة لدرجة أن “جزَّار” المنطقة رفض بيعه اللحم قائلاً له: “مبنبعش لحمة للناس اللي بتقول أحلى من الشرف مفيش”. كما غضبت والدة الدقن (جدة أولاده) منه وقاطعت مشاهدة أعماله لفترة، ظنًّا منها أنه يروج لأمور مخلة بالآداب، وتأثرًا بالهجوم الديني والرقابي على الإفيه.

رغم كل محاولات الرقابة والهجوم لمصادرة الجملة، انتصر “التلقي الشعبي” وتحول الإفيه من مجرد سخرية عابرة إلى أداة مجتمعية حية يُسقطها الناس حتى يومنا هذا على كل منافق يتشدق بالفضيلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *