عندما نقرأ تاريخ الكرد، نجد أن المظالم السياسية والقومية التي تعرضوا لها لم تأتِ من جهة واحدة، بل تداخلت فيها عوامل دينية وقومية وإقليمية، وأسهمت فيها أنظمة مختلفة، حتى أصبح تقسيم كردستان والانقسام السياسي الداخلي من أبرز التحديات التي تواجه قضيتهم. وهنا سؤال يفرض نفسه: كيف وصل شعب يجمعه التاريخ والهوية والمصير إلى هذه الدرجة من التباعد السياسي، رغم كل ما تعرض له من ظلم وحيف؟
لقد كان للسلطات والإمبراطوريات التي حكمت باسم الإسلام، في مراحل مختلفة من التاريخ، دور في إخضاع مناطق كردية لسلطات مركزية، وفي توظيف الدين أحياناً لتثبيت النفوذ السياسي أو تبرير الصراعات. ولم يكن الانتماء إلى الدين الإسلامي ضمانة لحماية الكرد من الظلم، كما لم يمنع الاشتراك في العقيدة نفسها الدول والإمبراطوريات من التنافس على الأراضي والنفوذ والموارد. وهذا يبيّن أن الروابط الدينية، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها لضمان العدالة أو حماية حقوق الشعوب.
ولم يتوقف الأمر عند السلطات التي حكمت باسم الإسلام، بل امتد إلى الأنظمة القومية التي أنكرت، في مراحل مختلفة، الهوية الكردية أو قيّدت استخدام لغتها وممارسة حقوقها السياسية. وقد شهدت أجزاء كردستان سياسات متفاوتة من التهميش والقمع والتهجير، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى استخدام القوة العسكرية وحرمان الكرد من حقوق أساسية.
كما أن الأنظمة غير الإسلامية لم تكن بمنأى عن هذه الممارسات، فالمشكلة لم تكن دائماً في طبيعة النظام الدينية، بل في مصالحه السياسية ونزعته القومية ورغبته في فرض تصور معين لوحدة الدولة، حتى على حساب حقوق الشعوب الأخرى. وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة: إن الشعارات الدينية أو القومية لا تضمن العدالة ما لم تقترن باحترام حقوق الإنسان والشعوب وحقها في الحفاظ على هويتها.
أما تقسيم كردستان بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، فلم يكن مجرد تقسيم جغرافي، بل ترك آثاراً عميقة على مستقبل الكرد وطبيعة مطالبهم السياسية، فقد أصبح الكرد يعيشون في ظل أربع دول، لكل منها نظامها السياسي وحساباتها الأمنية ومصالحها الإقليمية، الأمر الذي جعل ظروفهم وأولوياتهم وأساليب مطالبتهم بحقوقهم تختلف من جزء إلى آخر.
ومع مرور الوقت، لم تعد الاختلافات مقتصرة على الظروف التي فرضها واقع التقسيم، بل امتدت إلى الرؤى السياسية والتحالفات الإقليمية والمشروعات التي تتبناها الأحزاب والحركات الكردية. وهكذا لم يؤدِّ تقسيم كردستان إلى تجزئة الأرض وحدها، بل أسهم أيضاً في تعقيد فرص التوافق السياسي بين الكرد، وجعل الاتفاق على المصالح المشتركة أكثر صعوبة.
ولا يمكن تجاهل أن بعض الدول المحيطة بكردستان تعاملت مع الخلافات الكردية باعتبارها فرصة لتعزيز نفوذها أو الحد من قدرة الكرد على توحيد مواقفهم، لكن من غير الموضوعي تحميل الخارج كامل المسؤولية، فالتدخلات الخارجية تزداد فاعلية عندما تجد في الداخل مصالح متعارضة، وتنافساً حزبياً، وغياباً لآليات راسخة لإدارة الاختلاف.
وهنا تكمن المفارقة: شعب تعرض للإنكار والاضطهاد والتقسيم، وأمضى أجيالاً في النضال من أجل حقوقه، يجد نفسه اليوم عاجزاً في كثير من الأحيان عن الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة، فكيف يمكن مواجهة الضغوط الخارجية بفاعلية، بينما تتنافس القوى السياسية الداخلية على السلطة والنفوذ؟ وهل أصبحت بعض الأحزاب، التي يفترض أن تكون أدوات لتحقيق تطلعات الشعب، جزءاً من المشكلة التي تعيق تحقيق تلك التطلعات؟
في تقديري، يمثل التنافس الداخلي على السلطة أحد أبرز العوامل المباشرة التي تعرقل الاتفاق الكردي اليوم، ولا سيما عندما تتقدم المصالح الحزبية والموارد الاقتصادية والمواقع الحكومية على المصلحة القومية العامة، لكن هذا التنافس لا يمكن فصله تماماً عن الظروف التاريخية التي تشكلت في ظلها الحياة السياسية الكردية، فقرون من الحيف، وتقسيم كردستان وما فرضه من اختلاف في الظروف والتوجهات السياسية للكرد، والصراعات الإقليمية وغياب الاستقرار السياسي، كلها عوامل أسهمت في تشكيل واقع أصبحت فيه الأحزاب مراكز متنافسة للسلطة والنفوذ.
غير أن تفسير هذه الظروف لا يعني تبرير استمرار الانقسام، ولا إعفاء القيادات والأحزاب من مسؤولياتها، فمهما كانت المظالم التاريخية كبيرة، يبقى من واجب القوى السياسية أن تتعلم من تجارب الماضي، وأن تدرك أن المصالح الحزبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن مشروع مشترك يحمي حقوق الشعب ومستقبله.
ولعلنا نفهم هذه المسألة بصورة أعمق إذا طرحنا سؤالاً افتراضياً للمقارنة: ماذا لو كانت أجزاء من الشعب العربي تعيش تحت أنظمة تنكر هويتها القومية أو تقيّد حقوقها، وكانت مطالبها السياسية تختلف من دولة إلى أخرى؟ فالعرب، رغم امتلاكهم دولاً مستقلة ومعترفاً بها، لا يزال عالمهم يشهد أزمات داخلية وصراعات على السلطة، فضلاً عن الخلافات والانقسامات والصراعات بين بعض دوله، فإذا كان هذا هو واقعهم رغم امتلاكهم دولهم ومؤسساتهم، فكيف سيكون الحال لو واجهوا الظروف القومية والسياسية نفسها التي يعيشها الكرد، وتوزعوا بين أربع دول تختلف أوضاعهم السياسية والقانونية فيها، إلى جانب التنافس الداخلي على تمثيل قضيتهم؟
إن المشكلة ليست في اختلاف الكرد سياسياً، فالاختلاف حق طبيعي، والتعدد يمكن أن يكون مصدر قوة وإنما تبدأ المشكلة عندما يتحول الاختلاف إلى عائق أمام الحقوق المشتركة، وعندما تصبح المحافظة على السلطة والنفوذ أهم من القضية التي تأسست الأحزاب من أجلها.
وإذا كانت قوى خارجية قد أسهمت في تقسيم كردستان، وكانت أنظمة مختلفة قد ساهمت في تقييد الحقوق الكردية، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعل الكرد أسرى الماضي أو عاجزين عن تغيير حاضرهم، فالتاريخ يفسر جانباً من الأزمة، لكنه لا يحدد المستقبل بصورة نهائية، كما أن المظالم لا تعفي القوى السياسية الحالية من مسؤولية قراراتها.
لعل ما يحتاج إليه الكرد اليوم ليس أن تتطابق أحزابهم في رؤاها، بل أن تتفق على قواعد سياسية مشتركة تدير خلافاتها وتحمي قضيتهم من أن تتحول إلى ورقة في صراعات الآخرين، ففي شرق أوسط تتداخل فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، لا يكفي أن تكون للقضية عدالتها، بل تحتاج أيضاً إلى سياسة تعرف كيف تتعامل مع موازين القوى، وتفاوض بواقعية، وتستفيد من تقاطع المصالح دون أن ترهن قرارها لأي طرف.
ومن هنا، فإن الاتفاق الداخلي ليس دعوة إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى إدارة هذا الاختلاف بعقل سياسي يجعل تعدد الأحزاب مصدر قوة، لا منفذاً تستغله القوى الأخرى، فليس مطلوباً من الكرد أن يتحكموا في سياسات العالم، بل أن يمتلكوا من التوافق ما يمنع العالم من تقرير مصيرهم نيابة عنهم.

التعليقات