التخطي إلى المحتوى

لم تعد السيطرة على مصادر الطاقة وحدها كافية لضمان النفوذ الاقتصادي في عالم تتغير فيه موازين القوة، فالدولة التي تنتج النفط ليست بالضرورة الأكثر قدرة على التحكم بمساراته، والدولة التي تمتلك ممراً بحرياً لا تستطيع ضمان استمرارية الملاحة فيه بمعزل عن التوازنات السياسية والأمنية.

وبين هاتين المعادلتين، تبرز مصر أمام فرصة استراتيجية قد تعيد تحديد موقعها في خريطة الطاقة الدولية، فهل تستطيع القاهرة تحويل القلق العالمي من مضيق هرمز إلى نفوذ اقتصادي وقانوني مستدام؟

يمثل مضيق هرمز إحدى أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ مر عبره نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية في النصف الأول من عام 2025، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وهو ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية.

 ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط، بل تشمل الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً الصادرات القطرية، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. لقد أظهرت الأزمات المتعاقبة أن الاعتماد على ممر واحد قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية، وأن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واحتمالات تعطل الإمدادات، قد تدفع الدول والشركات إلى إعادة النظر في خرائط النقل والتخزين. ومن هنا، لم تعد المسألة مجرد البحث عن طريق بديل، بل بناء شبكة متعددة المسارات تقلل المخاطر وتمنح الاقتصادات قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وفي هذا السياق، تمتلك مصر مقومات مهمة تؤهلها لأداء دور متنامٍ، فموقعها الذي يصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وقناة السويس، وشبكة الموانئ والمنشآت البترولية، وخط أنابيب سوميد، تشكل معاً بنية استراتيجية تتجاوز وظيفة العبور البحري.

وينقل سوميد النفط من العين السخنة إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة تصميمية تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً، موفراً مساراً مهماً لنقل النفط الذي يصل إلى البحر الأحمر وإعادة توجيهه نحو الأسواق المتوسطية.

وتتزايد أهمية هذه البنية في ضوء الاهتمام بتوسيع قدرات تخزين النفط الخام والمنتجات البترولية في الموانئ المصرية، ومنها العين السخنة ورأس بدران. وقد تداولت تقارير معلومات عن مفاوضات استثمارية بشأن استئجار منشآت تخزين، مع تقديرات تشير إلى وجود طاقات تخزينية فائضة كبيرة، غير أن القراءة المهنية تقتضي الفصل بين المفاوضات والتفاهمات من جهة، والعقود النهائية المعلنة من جهة أخرى، لأن قوة التحليل تبدأ من دقة الوقائع لا من تضخيم التوقعات.

وفي أغسطس/اب 2026، برز تطور مؤسسي في التعاون المصري الإماراتي مع الإعلان عن تأسيس شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز، لإنشاء منطقة لوجستية لتخزين وتداول النفط الخام والمنتجات البترولية في ميناء الحمراء بالعلمين الجديدة. ويعكس هذا التوجه تقاطع المصالح المصرية والإماراتية في تطوير الخدمات اللوجستية للطاقة، من خلال الجمع بين الموقع والبنية التحتية المصرية والخبرة الاستثمارية والتشغيلية الإماراتية.

ولا تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه المشروعات في تخزين النفط وحده، بل في إمكانية نشوء منظومة متكاملة تشمل النقل والتجارة والتأمين والتكرير والصناعات البتروكيميائية، فمراكز التخزين والتداول تستطيع جذب استثمارات وخدمات مساندة، وتوليد فرص عمل وإيرادات، وتعزيز قدرة الدولة المضيفة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. وبذلك يمكن لمصر الانتقال تدريجياً من دور ممر عبور إلى مركز لوجستي مؤثر في إدارة حركة الطاقة.

لكن وصف مصر بأنها بديل كامل عن هرمز لا يستقيم مع المعطيات الفنية والجغرافية. فالتخزين لا يعوض النقل، والموانئ لا تلغي الحاجة إلى منافذ التصدير. وتعتمد قدرة دول الخليج على تجاوز المضيق على مواقع الإنتاج وخطوط الأنابيب والطاقات التشغيلية المتاحة. كما أن الطاقة التصميمية لسوميد، على أهميتها، لا تكفي لتعويض كامل التدفقات التي تمر عبر هرمز، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي قد تواجه الملاحة في البحر الأحمر ومحيط باب المندب.

وعليه، فإن الدور الأكثر واقعية لمصر هو أن تصبح مركزاً مكملاً لشبكة الطاقة العالمية، يساهم في تنويع الإمدادات وتخزينها وإعادة توزيعها، ويقلل من أثر الاعتماد على نقطة اختناق واحدة. فالقيمة الاستراتيجية لا تتطلب إلغاء الممرات القائمة، بل إيجاد بدائل جزئية ومسارات مساندة تجعل تعطّل أحدها أقل قدرة على إرباك الاقتصاد الدولي.

ومن الناحية القانونية، لا تعني إعادة توزيع وظائف الطاقة انتقال السيادة على الممرات البحرية، فمضيق هرمز يرتبط بقواعد القانون الدولي للملاحة، ومنها نظام المرور العابر الوارد في المواد 37 و38 و44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مع مراعاة المواقف القانونية للدول المعنية بشأن الاتفاقية وانطباق أحكامها. وتفرض المادة 44 على الدول المشاطئة للمضائق الخاضعة لهذا النظام عدم إعاقة المرور العابر، مع وجوب الإعلان عن الأخطار المعروفة للملاحة.

أما قناة السويس، فتخضع لنظام قانوني خاص يستند إلى اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، التي كرست حرية الملاحة فيها وفق أحكامها. وتستطيع مصر، في إطار سيادتها وتشريعاتها الوطنية والتزاماتها الدولية، تطوير الموانئ والمنشآت النفطية وتنظيم الاستثمارات والتعاقدات المتعلقة بها، من دون أن يعني ذلك امتلاكها سلطة قانونية للتحكم في تجارة الطاقة العالمية.

وهنا تظهر أهمية الأمن القانوني للاستثمار، فالشركات الدولية لا تختار مواقع التخزين بناءً على الجغرافيا وحدها، بل تنظر إلى استقرار التشريعات، ووضوح العقود، وضمان الحقوق، وسلامة المنشآت، والتأمين البحري، والالتزامات البيئية، وآليات تسوية المنازعات. وكلما نجحت مصر في توفير بيئة قانونية مستقرة وتشغيل تنافسي، ازدادت قدرتها على جذب استثمارات طويلة الأمد وتحويل موقعها إلى نفوذ اقتصادي مستدام.

غير أن المكسب الأكبر لن يتحقق بمجرد استضافة النفط أو تأجير المستودعات، بل بزيادة القيمة المضافة محلياً، وتطوير التكرير والصناعات البتروكيميائية والخدمات التجارية، وربط الموانئ بشبكات النقل والأسواق، فامتلاك البنية التحتية لا يعني تلقائياً امتلاك القرار الاقتصادي؛ إذ تظل الإنتاجية والأسعار والعقود وقرارات المنتجين والمستهلكين عوامل حاسمة في تحديد اتجاهات التجارة.

إن العالم لا يودع مضيق هرمز، لكنه يعيد تقييم كلفة الاعتماد المفرط عليه ومصر تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذا التحول، شريطة الجمع بين الاستثمار والكفاءة التشغيلية والاستقرار القانوني والرؤية الاقتصادية بعيدة المدى، فالممرات تصنعها الجغرافيا، لكن النفوذ تصنعه القدرة على إدارة المصالح.

والسؤال الحقيقي ليس هل ستكون مصر بديلاً عن هرمز، بل هل تنجح القاهرة في تحويل القلق العالمي من اضطراب الملاحة إلى قوة اقتصادية وقانونية تعيد تحديد موقعها في خريطة الطاقة الدولية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *