التخطي إلى المحتوى

باريس – صعّد جوردان بارديلا، زعيم حزب ‘التجمع الوطني’ اليميني المتطرف في فرنسا، هجومه على الرئيس إيمانويل ماكرون على خلفية موجة العنف التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، معتبراً أن البلاد تواجه انهياراً في النظام العام، ومطالبا الرئيس بالاعتذار والرحيل.

وتأتي تصريحاته في وقت تحولت فيه الاحتجاجات التي أعادت إحياء حركة ‘السترات الصفراء’ إلى أزمة أمنية وسياسية، بعدما شهدت مدن فرنسية مواجهات وعمليات تخريب ونهب وإحراق لمبانٍ عامة.

وقال بارديلا خلال تصريحات في باريس، إن أعمال العنف ألحقت الإهانة بفرنسا، محذراً من تصاعدها تدريجياً، ومؤكداً أن استعادة النظام العام يجب أن تتصدر أولويات السياسة الفرنسية. كما أعلن دعمه لقوات الشرطة والدرك، معتبراً أن الدولة لا تزال صامدة بفضل شجاعة قوات إنفاذ القانون وقدرتها على التعامل مع الاضطرابات.

وحذر زعيم التجمع الوطني من أن بعض الحركات السياسية تسعى إلى دفع البلاد نحو حرب أهلية، متعهداً ببذل ما يستطيع لمنع ذلك. وتكشف هذه التصريحات عن محاولة من اليمين القومي لتقديم نفسه باعتباره المدافع عن الأمن والاستقرار، في مقابل حكومة تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الاحتجاجات وتداعياتها، فضلاً عن الانتقادات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في المؤسسات.

وسعى ماكرون إلى إظهار الحزم في مواجهة أعمال العنف، معبراً عن غضبه إزاء ما وصفه بمشاهد تثير الخجل، ومؤكداً أن المسؤولين عن النهب والتخريب سيحاسبون على الأضرار التي تسببوا فيها. واتهم مجموعات من اليسار المتطرف، قال إنها انضمت إلى عناصر إجرامية، بالوقوف وراء جانب من أعمال العنف، في وقت أصدر فيه تعليمات إلى المحافظين بالتنسيق مع رؤساء البلديات لحماية المباني العامة والمنشآت التجارية خلال الأسابيع المقبلة، بما في ذلك فرض حظر على الاحتجاجات عند الضرورة.

وكانت مجموعات ملثمة قد أضرمت النيران في مبانٍ عامة وهاجمت منشآت في مدن عدة، فيما تعرض مبنى بلدية ليموج، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، لحريق أدى إلى انهيار سقفه وتدمير أجزاء كبيرة منه. وشهدت باريس، الأحد، تجمعات جديدة في ساحة الجمهورية، وسط انتشار أمني مكثف واستخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع بعد تجدد التوترات ومحاولات إحراق دراجات وصناديق قمامة.

وأفادت السلطات بتوقيف أكثر من 1800 شخص، فيما أصيب أكثر من 500 من أفراد الشرطة والدرك ورجال الإطفاء، وفق تصريحات وزير الداخلية لوران نونيز. وقدرت السلطات عدد المشاركين في الاحتجاجات بنحو 550 ألف شخص، بينما رفع المنظمون الرقم إلى نحو 800 ألف، في مؤشر إلى اتساع التعبئة الاجتماعية وتباين تقديرات حجمها.

أزمة اجتماعية تتحول إلى مواجهة سياسية

وتتجاوز دلالات التصعيد الراهن مسألة ضبط الشارع، إذ تعيد الاحتجاجات إلى الواجهة التوترات التي رافقت ظهور حركة ‘السترات الصفراء’ عام 2018، عندما انطلقت التعبئة على خلفية الضرائب على الوقود وتكاليف المعيشة، قبل أن تتحول إلى حركة أوسع ضد التفاوت الاجتماعي والشعور بالتهميش. ويشير انضمام مجموعات طلابية، إلى جانب دعم الاتحاد العام للعمال مطالب زيادة الأجور والمعاشات وخفض الأسعار وحماية الخدمات العامة، إلى أن الغضب لا يقتصر على فئة واحدة أو مطلب محدد.

ويحاول بارديلا استثمار الاضطرابات لتكريس معادلة سياسية تربط الحكومة الحالية بتراجع الأمن، وتمنح حزبه فرصة لتقديم خطاب يقوم على استعادة سلطة الدولة وفرض النظام، غير أن اختزال الأزمة في المواجهة بين الشرطة والمحتجين قد يتجاهل الأسباب الاجتماعية التي تغذي الاحتجاجات، فيما قد يؤدي التعامل الأمني وحده إلى تعميق الاحتقان إذا لم يقترن بإجراءات تستجيب للمطالب المعيشية.

أما ماكرون، فيواجه معادلة صعبة بين حماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان الحق في التظاهر، من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى عامل إضافي لتوسيع دائرة الغضب. وتكشف الأزمة، في نهاية المطاف، عن تداخل الأبعاد الاجتماعية والأمنية والسياسية في فرنسا، حيث قد تمنح أعمال العنف اليمين المتطرف فرصة لتوسيع نفوذه، لكنها تضع السلطة أيضاً أمام اختبار قدرتها على معالجة جذور الاحتجاج، لا الاكتفاء باحتواء مظاهره.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *