واشنطن ـ لا ينتقل اضطراب طيف التوحّد بالضرورة من الآباء إلى الأبناء، لكن الجينات تؤدي دورًا مهمًا في زيادة احتمالات ظهوره.
وبين الاستعداد الوراثي والعوامل البيولوجية، يحاول العلماء فكّ أسرار هذا الاضطراب المعقّد.
هل يمكن أن يولد طفل مصاب بالتوحّد لأن أحد والديه يحمل جينات مرتبطة به؟ وهل يعني تشخيص أحد الأبناء أن إخوته سيكونون بالضرورة أكثر عرضة للإصابة؟
أسئلة تؤرق كثيرا من الأسر، خصوصا مع انتشار معلومات متباينة حول أسباب اضطراب طيف التوحّد، الذي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وتختلف خصائصه من شخص إلى آخر.
تؤكد الأبحاث العلمية أن الوراثة تؤدي دورا مهما في نشأة التوحّد، لكنها لا تعني انتقاله بصورة حتمية بين الأجيال، فالمسألة أكثر تعقيدا من وجود جين واحد مسؤول عن الاضطراب، إذ تتداخل فيها متغيرات وراثية متعددة وعوامل بيولوجية أخرى.
وترتبط بعض حالات التوحّد بتغيرات جينية تؤثر في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية، بينما تنشأ حالات أخرى نتيجة اجتماع تأثيرات عدد كبير من المتغيرات الوراثية، يسهم كل منها بدرجة متفاوتة في زيادة الاحتمال.
ووفقًا لموقع ‘ميدلاين بلاس جينيتيكس’ التابع للمكتبة الوطنية الأميركية للطب، تتراوح تقديرات إسهام العوامل الجينية في قابلية الإصابة بالتوحّد بين 40 و80 في المئة.
ولا تعني هذه النسبة أن الجينات تفسّر هذه الحصة من حالات كل فرد، بل تشير إلى تقديرات مستخلصة من دراسات سكانية لقياس دور الاختلافات الوراثية في تفاوت احتمالات الإصابة.
وتعزز دراسة جينية واسعة قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ونُشرت في مجلة ‘نيورون’ عام 2015، هذا الاتجاه البحثي.
وقد حددت 65 جينا تسهم في خطر التوحّد، من بينها 28 جينا صنّفها الباحثون بدرجة ثقة عالية جدا، كما كشفت عن مسارات بيولوجية تتعلق بالمشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات، وبالكروماتين، وهو مركّب من الحمض النووي والبروتينات ينظم كيفية استخدام المعلومات الوراثية.
وتوضح النتائج أن فهم التوحّد يتطلب دراسة شبكة من الجينات والعمليات العصبية، لا البحث عن سبب وراثي واحد يفسّر جميع الحالات.
قد يرث الطفل متغيرات جينية مرتبطة بزيادة احتمال التوحّد من أحد والديه، حتى إذا لم تظهر عليهما علامات الاضطراب.
وفي حالات أخرى، تظهر تغيرات جينية جديدة لدى الطفل، لم تكن موجودة لدى الوالدين، وتُعرف باسم ‘الطفرات الجديدة’، لكن وجود متغير جيني لا يعني بالضرورة ظهور التوحّد؛ إذ تختلف التأثيرات بحسب طبيعة التغيرات الوراثية وتفاعلها مع عوامل أخرى. كما أن وجود حالات في العائلة قد يرفع احتمال تشخيص طفل آخر مقارنة بعامة السكان، من دون أن يجعل الإصابة أمرًا مؤكدًا.
وتختلف درجة الخطر من أسرة إلى أخرى، لذلك لا يمكن تقديم تقدير دقيق اعتمادًا على التاريخ العائلي وحده، خصوصًا في غياب معلومات سريرية وجينية كافية.
ولا يحصر العلماء أبحاثهم في الوراثة، بل يدرسون أيضا عوامل بيولوجية وظروفا مرتبطة بالحمل والولادة قد تتداخل مع الاستعداد الجيني، غير أن ارتباط عامل معين بالتوحّد إحصائيا لا يثبت وحده أنه السبب المباشر للإصابة.
وتؤكد المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن التوحّد لا ينتج عن سبب واحد معروف، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الوراثية والبيولوجية والبيئية. لذلك، لا يصح تحميل الوالدين مسؤولية إصابة طفلهما، أو اعتبار ظروف الحمل وحدها تفسيرا كافيًا للاضطراب.
ويفتح التقدم في علم الوراثة المجال لفهم أدق للاختلافات بين حالات التوحّد، وقد تساعد الفحوص الجينية، عندما يوصي بها الطبيب، في تفسير بعض الحالات، خصوصا عند الاشتباه في متلازمة وراثية محددة، لكنها لا تكشف سببا جينيا واضحا لدى جميع الأشخاص، ولا تستطيع التنبؤ بكل الحالات مستقبلًا.
وفي المحصلة، لا يكمن الجواب عن سؤال ‘هل التوحّد وراثي؟’ في الاختيار بين الجينات والبيئة، بل في فهم التفاعل المعقد بينهما، فالوراثة عامل مهم، لكنها ليست حكما مسبقا على مستقبل الطفل.
وبينما يواصل الباحثون دراسة آليات الاضطراب، يظل التشخيص المتخصص والتدخل الملائم ودعم الأسرة خطوات أساسية لتعزيز التواصل والتعلم والاستقلالية وتحسين جودة الحياة.

التعليقات