الرباط ـ تحتفي الفنانة التشكيلية المغربية كاميليا الزرقاني بجمال الفرس الأصيل وغنى التراث الفروسي المغربي، من خلال مجموعة من أعمالها الفنية المعروضة ضمن الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة، حيث تقدم سبع لوحات تستلهم عالم الفروسية والتبوريدة، وتمزج بين رمزية الحرف العربي ودلالات الألوان والتكوينات البصرية التي تستحضر عمق الهوية المغربية وتعدد روافدها الحضارية.
وتجعل الزرقاني من الفرس الشخصية المحورية في أعمالها، مستكشفة ما يجمعه من جمال وقوة ورشاقة وحرية، إلى جانب علاقته التاريخية والإنسانية بالفارس. ولا تكتفي الفنانة بتصوير الحيوان في أبعاده الجمالية، بل تسعى إلى إبراز القيم التي يرمز إليها في الثقافة المغربية، من الشجاعة والوفاء إلى الصبر والانضباط والاعتزاز بالأصالة.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أعربت الفنانة عن سعادتها وفخرها بالمشاركة للمرة الأولى في معرض الفرس بالجديدة، معتبرة أن هذه التظاهرة تمثل فضاء ثقافيا غنيا أسهم في تغذية مخيلتها الفنية وفتح آفاق جديدة للتعبير عن تعلقها بالتراث المغربي.
وأوضحت، أنها أنجزت بهذه المناسبة سلسلة من سبع لوحات مخصصة للفرس المغربي والتبوريدة، مستلهمة الروابط العميقة التي تجمع الفرس بالفارس، وما تختزنه من شغف ووفاء وشجاعة وتآلف. كما سعت من خلال هذه الأعمال إلى استحضار مكانة الفرس عبر التاريخ، سواء باعتباره رفيقاً في المعارك أو رمزاً للأناقة والقوة والقدرة على التحمل.
تعتمد الزرقاني في أعمالها المعروضة على ألوان قوية تحمل دلالات رمزية، في مقدمتها الأسود والذهبي، اللذان يشكلان عنصرا أساسياً في بناء المشهد التشكيلي. وتوضح الفنانة، أن الأسود يحيل إلى عمق الليل، فيما يرمز الذهبي إلى العظمة والقوة وغنى التراث المغربي، بما يضفي على اللوحات أبعاداً تعبيرية تتجاوز التمثيل المباشر للفرس.
ويحضر الحرف العربي بدوره بوصفه مكونا بصريا وثقافيا، يثري التكوين ويستحضر الذاكرة الحضارية للمغرب، كما تستلهم الفنانة الشعر العربي في التعبير عن رؤيتها للخيول، مستعينة في بعض أعمالها بالألوان الترابية التي تعكس ارتباط الإنسان المغربي بأرضه وجذوره، وتستحضر امتداد الحضارة المغربية عبر التاريخ.
وتؤكد هذه الاختيارات، أن أعمال الزرقاني لا تنفصل عن مشروع فني أوسع، يجعل من التراث منطلقا للإبداع المعاصر، ويعيد تقديم عناصره بأسلوب يوازن بين الرموز الموروثة والرؤية الشخصية للفنانة.
وفي هذا السياق، اعتبرت الزرقاني أن مشاركتها في معرض الفرس، تمثل فرصة للإسهام في التعريف بالتراث المغربي من خلال الفن، وإبراز ما يزخر به من عناصر جمالية وثقافية تستحق الحفظ والتثمين.
وتندرج مشاركة الزرقاني في الجديدة ضمن مسار فني تهتم فيه بتنوع التراث المغربي وثراء روافده الثقافية، من خلال أعمال تتناول موضوعات مرتبطة بالهوية الوطنية، من الصحراء المغربية إلى القفطان المغربي، وصولاً إلى الرموز المستمدة من العمارة التقليدية والفنون الحرفية.
وتنظر الزرقاني إلى التراث باعتباره نسيجا حيا يتجاوز حدود الذاكرة التاريخية، ليظل حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
ومن هذا المنطلق، تحول العناصر المألوفة المستمدة من البيئة المغربية إلى أعمال فنية تستعيد ملامح الماضي بلغة معاصرة، وتسعى إلى تقريبها من الأجيال الجديدة.
كما تستند مقاربتها إلى فلسفة ‘البساطة جمال’، التي تستلهمها من تفاصيل التراث المغربي كالالخيل والعمارة التقليدية، ولا سيما الأبواب المزخرفة والأقواس التي تجمع بين بساطة الشكل ودقة التنفيذ. وتعيد الفنانة توظيفها في لوحاتها من خلال تكوينات تتداخل فيها الرموز والخطوط، بما يحقق توازنا بين المألوف والابتكار.
وتضيف الزرقاني إلى أعمالها إشارات خاصة، من بينها الحروف الأولى من اسمها ورمز عين حورس المستلهم من الحضارة المصرية القديمة، في محاولة لخلق حوار بصري بين المرجعية المغربية وامتدادات ثقافية أوسع.
وتلخص الفنانة رؤيتها بالقول إن كل لوحة تحمل توقيعها تمثل رسالة إلى الأجيال الصاعدة، مفادها أن التراث ليس عبئاً من الماضي، بل ركيزة يمكن الانطلاق منها نحو المستقبل. وهي رؤية تتجلى في أعمالها بالجديدة، حيث يتحول الفرس من موضوع تشكيلي إلى مدخل لاستكشاف قيم الهوية والانتماء والحرية، وتأكيد قدرة الفن على صون الذاكرة الثقافية وتجديد حضورها.
وتعد كاميليا الزرقاني، المولودة بمدينة وزان، فنانة تشكيلية عصامية شاركت في عدد من المعارض الفردية والجماعية داخل المغرب وخارجه، وتواصل من خلال تجربتها الفنية استلهام عناصر الحضارة المغربية وتقديمها في صيغ بصرية تجمع بين الأصالة والتعبير المعاصر.

التعليقات