التخطي إلى المحتوى

دمشق ـ أعلنت المؤسسة العامة للسينما اختيار اللجنة السورية فيلم ‘الجانب الآخر من الشمس’، من إخراج توفيق صابوني، لتمثيل سوريا رسميا في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي طويل ضمن الدورة التاسعة والتسعين من جوائز الأوسكار.

ويأتي اختيار الفيلم في محطة تحمل أهمية خاصة على مستوى مسار السينما السورية، إذ يمثل أول عمل تختاره اللجنة السورية الجديدة المعتمدة من أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، الجهة الأميركية المانحة لجوائز الأوسكار، وذلك بعد مرحلة سياسية وتاريخية شهدت سقوط النظام السابق والتحرير.

ويقدم الفيلم تجربة وثائقية تنطلق من شهادات خمسة ناجين من سجن صيدنايا، أحد أكثر الأماكن ارتباطًا بذاكرة الاعتقال خلال سنوات الثورة السورية. ولا يكتفي الفيلم بتسجيل روايات الناجين، بل يعود بهم إلى الذاكرة التي تركها السجن في حياتهم، محاولًا الاقتراب من التجربة الإنسانية للاعتقال من خلال تفاصيلها النفسية والزمنية وآثارها الممتدة بعد الخروج.

وتتمحور أحداث الفيلم حول عودة الناجين إلى استحضار ما عاشوه داخل المعتقل، حيث يستعيد كل منهم تجربته الخاصة، وما ارتبط بها من خوف وانتظار وعزلة وفقدان للإحساس بالزمن. ومن خلال هذه الشهادات، تتشكل صورة جماعية لتجربة الاعتقال، لكن من دون إلغاء خصوصية كل حكاية أو اختزالها في سرد واحد.

ويمنح المخرج توفيق صابوني الشهادات مساحة مركزية في بناء الفيلم، لتصبح الذاكرة إحدى أدوات السرد الأساسية، فالماضي لا يظهر باعتباره حدثًا انتهى، وإنما تجربة لا تزال حاضرة في حياة الناجين، وتعود من خلال الأماكن والتفاصيل والكلمات والصمت، بما يكشف عن التأثير العميق الذي تركته سنوات الاعتقال في علاقتهم بأنفسهم وبالمحيط من حولهم.

ويحاول الفيلم كذلك الاقتراب من سؤال أوسع يتعلق بما يحدث للإنسان بعد انتهاء الاعتقال، فالخروج من السجن لا يعني بالضرورة انتهاء آثاره، إذ تستمر التجربة في الذاكرة وفي العلاقات وفي الطريقة التي ينظر بها الناجي إلى المكان والزمن والمستقبل. ومن هذه الزاوية، يتجاوز العمل توثيق ما حدث داخل صيدنايا إلى البحث في تبعات التجربة على الفرد والمجتمع.

وتشكل العودة إلى السجن، أو استحضاره عبر ذاكرة من مروا به، عنصرًا دراميا أساسيا في الفيلم، إذ تضع الشهادات الماضي والحاضر في مواجهة واحدة. ويمنح هذا البناء المشاهد فرصة لمتابعة التحولات التي طرأت على أصحاب القصص، وملاحظة الفارق بين الشخص الذي دخل المعتقل والشخص الذي خرج منه ويحمل معه آثار التجربة.

ولا يتعامل الفيلم مع شهادات الناجين باعتبارها مادة أرشيفية فحسب، بل يحولها إلى مساحة للتأمل في الذاكرة السورية، وفي قدرة السينما الوثائقية على حفظ أصوات الأشخاص الذين عاشوا أحداثًا مفصلية، كما يفتح الفيلم نقاشا حول مسؤولية الصورة في التعامل مع التجارب الإنسانية شديدة الحساسية، خصوصًا عندما ترتبط بالاعتقال والعنف والصدمة.

وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول ضمن قسم ‘بانوراما’ في مهرجان برلين السينمائي، قبل أن يواصل حضوره في المهرجانات الدولية، حيث حصد جوائز لجنة التحكيم والنقاد الدوليين والجمهور في الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي. ويعكس هذا المسار المبكر استقبالا لافتا للتجربة الوثائقية التي يقدمها صابوني، ويمنح الفيلم رصيدا إضافيا قبل دخوله مسار المنافسة على الأوسكار.

ويأتي اختيار الفيلم لتمثيل سوريا تتويجا لهذا الحضور، وفي الوقت نفسه يضع تجربة السينما الوثائقية السورية أمام مساحة دولية أوسع.

ويحمل الفيلم يحمل قصة محلية شديدة الخصوصية، لكنه يتناول موضوعات إنسانية تتجاوز حدود المكان، مثل الذاكرة والنجاة والقدرة على مواجهة الماضي واستعادة الصوت بعد سنوات من الصمت.

وأكدت المؤسسة العامة للسينما، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، أن اعتماد أهلية الفيلم وقبوله للمنافسة يبقيان رهن قرار أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة وإجراءاتها المعتمدة. وهنأت المؤسسة المخرج وفريق العمل، متمنية لهم التوفيق في المرحلة المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *