التخطي إلى المحتوى

من التفاؤل التكنولوجي إلى التحذير من المخاطر

وكان غيتس قد عرض مخاوفه بصورة موسعة في مقال نشره في 26 أغسطس آب على موقعه الشخصي “غيتس نوتس”، بعنوان “عصر الذكاء الاصطناعي المضطرب هنا. الخيارات التي نتخذها الآن حاسمة”.

وحذر في المقال من أن العالم لا يملك بعد خطة كافية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه التكنولوجيا، داعيا إلى اتخاذ قرارات مبكرة بشأن كيفية توزيع منافعها والحد من مخاطرها.

وتناول غيتس احتمالات فقدان أعداد كبيرة من العمال وظائفهم، إلى جانب مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية وتطوير أسلحة بيولوجية، فضلا عن تأثير الأنظمة التي تحاكي التفاعل البشري على الأطفال والعلاقات الاجتماعية.

وسلطت صحف أميركية، بينها “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”أكسيوس”، الضوء على تحذيراته، مع التركيز على الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وقدرة الحكومات والمجتمعات على التكيف معها.

كما تناولت صحيفة “الغارديان” البريطانية اقتراحه الإبقاء على دور بشري أساسي في بعض المهن، فيما ركزت تغطيات أخرى على مخاطر الأمن السيبراني وإمكان إساءة استخدام الأنظمة المتقدمة.

الوظائف في قلب التحول

يرى غيتس أن أحد أكبر التحديات يتمثل في احتمال أن يتزامن تراجع الحاجة إلى العمالة البشرية في قطاعات عديدة، مع عدم قدرة الاقتصاد على توفير وظائف بديلة بالسرعة نفسها.

وقد تواجه الوظائف المبتدئة ضغوطا خاصة، إذا باتت الشركات قادرة على استخدام الأنظمة الذكية لإنجاز المهام التي كانت تسند تقليديا إلى الموظفين الجدد.

ولا يقتصر الأمر على العاملين أمام الشاشات. فالتقدم في الروبوتات قد يتيح أتمتة أعمال في التصنيع والبناء والزراعة والضيافة، وهي مجالات تتطلب حاليا حضورا جسديا ومهارات عملية.

ويتوقع غيتس أن تتسع إمكانات الروبوتات الشبيهة بالبشر خلال السنوات المقبلة، لكن قدرتها على استبدال العمال على نطاق واسع ستظل مرتبطة بالتكلفة والموثوقية والسلامة ومدى ملاءمتها لظروف العمل المختلفة.

ويثير هذا التحول تساؤلات بشأن قدرة العاملين الذين يفقدون وظائفهم على الانتقال إلى مهن جديدة، خصوصا إذا تطلبت تلك المهن تدريبا طويلا أو مهارات مختلفة جذريا.

مخاطر تتجاوز الاقتصاد

إلى جانب الوظائف، يحذر غيتس من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد قدرة المهاجمين على اكتشاف الثغرات الإلكترونية وتنفيذ هجمات أكثر تعقيدا، ما يهدد قطاعات حيوية مثل المستشفيات والمصارف وشبكات الطاقة والخدمات الحكومية.

وفي 11 أكتوبر/ تشرين الأول، نقلت وكالة فرانس برس تحذيره من أن الهجمات السيبرانية قد تمثل أحد أبرز المخاطر المباشرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال العام التالي، ولا سيما مع استخدام الأنظمة المتقدمة من جانب جهات تسعى إلى تجاوز وسائل الحماية.

كما تثير قدرات النماذج المتقدمة مخاوف من تسهيل الوصول إلى معلومات بيولوجية حساسة يمكن إساءة استخدامها، فضلا عن احتمال ظهور أنظمة شديدة التطور يصعب التنبؤ بسلوكها أو ضبطها بصورة كاملة.

ولا يعني ذلك أن وقوع هجمات واسعة أو كوارث بيولوجية أمر حتمي، لكنه يعكس مخاوف من أن تتجاوز القدرات التقنية سرعة تطور وسائل الرقابة والحماية.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يخشى غيتس من أن يؤدي انتشار رفقاء الذكاء الاصطناعي، القادرين على محاكاة التفاعل الإنساني وتقديم استجابات شخصية على مدار الساعة، إلى زيادة الاعتماد العاطفي على الآلات لدى بعض المستخدمين، ولا سيما الشباب.

عصر الوفرة ومشكلة توزيع الثروة

على الرغم من هذه المخاوف، لا يرى غيتس أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يقتصر على فقدان الوظائف والمخاطر الأمنية، بل يتوقع أن تتيح التكنولوجيا زيادة كبيرة في الإنتاجية وخفض تكلفة عدد من السلع والخدمات.

وقد تساعد الأنظمة الذكية في تسريع اكتشاف الأدوية وتحسين التشخيص الطبي وتوسيع فرص التعليم، فيما يمكن للروبوتات أن تزيد الإنتاج في المصانع والمزارع وتؤدي أعمالا يصعب إنجازها أو تتطلب أعدادا كبيرة من العمال.

لكن ارتفاع الإنتاجية لا يضمن، في حد ذاته، توزيع المكاسب على نحو متكافئ. فقد تستفيد الشركات وأصحاب رأس المال من خفض التكاليف، بينما يواجه بعض العاملين فقدان الدخل أو تراجع الأجور.

وتكمن المفارقة، وفق التصور الذي يطرحه غيتس، في أن التكنولوجيا التي قد تجعل المجتمعات أكثر ثراء وقدرة على توفير احتياجاتها يمكن أن تزيد التفاوتات إذا تركزت منافعها في أيدي فئات محدودة.

ضرائب وضوابط وحماية للعمال

لمواجهة هذه التحديات، دعا غيتس إلى مناقشة سياسات تضمن استفادة المجتمع من مكاسب الذكاء الاصطناعي، بدلا من ترك عملية الانتقال لقوى السوق وحدها.

ومن بين الأفكار التي طرحها إعادة النظر في النظام الضريبي، بما في ذلك دراسة فرض ضرائب على استخدام الروبوتات أو الأتمتة، لتقليل الحوافز التي تدفع الشركات إلى استبدال العمال بالآلات لمجرد خفض تكاليف التوظيف.

كما اقترح تخصيص دور أساسي للبشر في بعض المهن، خصوصا المجالات التي تكتسب فيها العلاقات الإنسانية أهمية كبيرة، مثل رعاية الأطفال وبعض الخدمات الصحية والتعليمية.

وشدد كذلك على ضرورة وضع ضوابط مستقلة للأنظمة عالية الخطورة، وتطوير آليات تعاون دولي للحد من مخاطر الاستخدامات السيبرانية والبيولوجية، مع توفير برامج تدريب وحماية اجتماعية للعاملين المتضررين.

وتواجه هذه المقترحات تحديات عملية، من بينها صعوبة تحديد الوظائف التي ينبغي حمايتها، واحتمال انتقال الشركات إلى بلدان ذات قواعد أقل تشددا، فضلا عن التنافس الدولي على تطوير التكنولوجيا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *