مسافة السكة – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
في العلاقات بين السعودية ومصر، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بسرعة الموقف حين تشتد الأزمات، وبصدق الوقفة حين يصبح التضامن مسؤولية. ومن هنا تكتسب عبارة «مسافة السكة» معناها، تعبيراً عن قربٍ رسّخته التجارب، وأخوّةٍ يعرف البلدان قيمتها، مهما ارتفع ضجيج العابرين على هوامشها.
** أخوّة تصنعها المواقف
لم تكن مصر يوماً بعيدة عن وجدان السعودية، ولم تكن المملكة غائبة عن أحداث مصر الصعبة. ففي العدوان الثلاثي عام 1956، وقفت السعودية بقيادة الملك سعود إلى جانب مصر، وساندت حقها في السيادة ومواجهة العدوان. كان الموقف واضحاً في ظرفٍ احتاجت فيه القاهرة إلى أشقائها، وكانت الرياض تدرك أن استهداف مصر يمسّ أمن العالم العربي بأسره.
وعقب حرب يونيو 1967، برز موقف الملك فيصل في الدعوة إلى مساندة الدول العربية المتضررة، وتقديم الدعم الذي يعينها على الصمود. ولعل الدرس الأعمق في تلك المرحلة أن الخلافات السياسية التي سبقتها لم تمنع المملكة من الوقوف مع مصر في محنتها، فقد اتسعت الرؤية السعودية لما هو أبعد من خلاف المرحلة، وقدّمت مسؤولية الأخوّة على تصفية الحسابات.
ثم جاءت حرب أكتوبر 1973، لتكتب صفحة أخرى من ذلك التاريخ. خاض المقاتل المصري معركة استرداد أرضه، ووقفت السعودية بقيادة الملك فيصل داعمة للمجهود العربي، وأسهمت في استخدام النفط أداة ضغط على الدول المساندة لإسرائيل. كان ذلك قراراً له كلفته السياسية والاقتصادية، وشاهداً على أن التضامن يُختبر بما تتحمّله الدول من مسؤوليات، وبما تتخذه من مواقف.
** التضامن تاريخ من المواقف المتبادلة
هذه الصفحات ليست سجلاً للمنّ؛ فالأخوّة أكرم من ذلك. وللعلاقة وجهها المتبادل أيضاً، فقد شاركت مصر في التحالف الذي حرّر الكويت، ووقفت إلى جانب أشقائها في حماية أمن الخليج. وهكذا تتراكم الثقة عبر مواقف تتبادلها الدول حين تدرك أن الخطر على إحداها يهدّد استقرار الجميع.
وحين نتحدث عن عمق المواقف السعودية تجاه مصر، فإننا نستحضر روابط تاريخية لا تختزلها الحسابات السياسية الآنية، وأخوّة راسخة تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في إطار ما تقرره مؤسسات الدول وأنظمتها.
** أبواق الفتنة لا تصنع التاريخ
غير أن بعض المنتفعين لا يروقهم هذا الرصيد؛ فيقتاتون على التوتر، ويبحثون في كل ظرف عن عبارة مبتورة أو اختلاف قابل للتضخيم، ثم يقدّمونه مادة لشحن النفوس. يريدون تحويل النقاش إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، مستغلين قلة المعرفة وسرعة الانفعال، وكأن تاريخ البلدين يمكن اختزاله في مقطع أو منشور.
والنقد حق، والاختلاف في تقدير المصالح أمر وارد، لكن التحريض على شعبٍ كامل، أو الإساءة إلى بلدٍ شقيق، لا يصنع رأياً مسؤولاً. ومن يتعمّد الإساءة إلى المصريين باسم الدفاع عن السعودية، أو الإساءة إلى السعوديين باسم الغيرة على مصر، يضرّ بالقيمة التي يزعم حمايتها. فلا تُصان كرامة الأوطان بإشعال الفتنة بين أهلها.
** وعي يحفظ قدر البلدين
إن العقلاء في البلدين يعرفون أن هذه الأصوات لا تعبّر عن حقيقة العلاقات بين الشعبين. فهم يدركون أن ما يجمع بينهما من قربى وروابط ومصالح وذكريات أكبر من مواسم الاستفزاز.
ستبقى العلاقات السعودية المصرية بحاجة إلى وعيٍ واحترام متبادل، وإلى أصوات تحفظ قدر البلدين حين يختلفان، كما تحتفي بتعاونهما حين يتفقان. أما أصحاب الفتنة، فلن يصير ضجيجهم تاريخاً لمجرد أنه ارتفع.
وحين تستدعي الشدائد معدن الأخوّة، يبقى للموقف الصادق توقيته المعروف.. مسافة السكة.
** أمن الملاحة مسؤولية مشتركة
وفي هذا السياق، فإن أمن الملاحة في البحر الأحمر مسؤولية مشتركة إقليمياً ودولياً، لا يجوز اختزالها في دولة واحدة أو تحميلها وحدها أعباء حماية ممرات تعبرها مصالح العالم. فهذه الممرات شرايين للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وأي تهديد لها تتجاوز تداعياته الدول المطلة عليها، ليطال سلاسل الإمداد وتكاليف النقل واقتصادات الدول وحياة شعوبها. ومن هنا، فإن حماية حرية الملاحة تستوجب تعاوناً يتناسب مع حجم المصالح المشتركة، ويحترم سيادة دول المنطقة وأمنها، فلا يستقيم أن ينتفع العالم بهذه الشرايين، ثم يترك مسؤولية حمايتها وكلفتها على عاتق طرف واحد.
** حماية الأمن ليست منّة
والمملكة، حين تؤكد مسؤولية الأشقاء والشركاء في صون الأمن المشترك، فإنها تنطلق من ثقتها بقدراتها وإرادتها الراسخة في حماية سيادتها وأرضها وشعبها، وإيمانها بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة. وهي بذلك تؤكد مسؤولية الجميع، انطلاقاً من وحدة المصير وترابط المصالح، وإدراكاً لأهمية التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، وحماية الممرات الحيوية وإمدادات التجارة والطاقة مصلحة تتجاوز حدود أي دولة. والوقوف في وجه هذه التهديدات ليس مِنّةً من طرف على آخر، بل تحمّلٌ لمسؤولية مشتركة لصون أمنٍ ينتفع به الجميع، ويطالهم الضرر حين يتعرّض للخطر.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات