تداعي العقد الدولي وانسلاخ أنظمة ما بعد الحرب
لم يعد العالم اليوم يمر بأزمة عابرة أو اضطراب مرحلي، بل يواجه تصدعاً بنيوياً شاملاً يعيد رسم خارطة الوجود البشري برمتها. وقد وصلت الصورة النمطية للعصر الحالي إلى ذروتها في الكشف عما تصبو إليه المجتمعات، وما تقوم به الأنظمة العابرة للقوميات في لحظات اندحارها وانسلاخها عن جذورها التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية.
إن هذا الانسلاخ بات حتمية تاريخية لا مفر منها في الوقت الراهن، سواء جاء تحت وطأة تهديد الشارع وضغط الشعوب، أو مضى في مساره التدميري نتيجة الأزمات الذاتية والصراعات الداخلية للنظام نفسه. وفي إثر هذا التداعي المتسارع، تراجعت أوهام السلام العالمي وتهاوى السلم الأخلاقي للدول والأمم؛ حيث تحولت المنظومة الدولية إلى هيكل مفرغ من مضمونه الإنساني، وتوارت المبادئ الجامعة أمام طغيان المصالح المصيرية والأنانيات الجيوسياسية الحادة. ونتيجة لهذا الفراغ الهيكلي، لم يعد العالم يُدار بشرط بشري عقلاني، بل برزت إلى الوجود قوى جارفة وغير إنسانية تمسك بمقاليد المشهد وتتغذى على حالة عدم الاستقرار الشامل.
توحش النيوليبرالية وانفجار التفاوت الطبقي
تتجلى أولى هذه القوى في التحول العميق للنظام الرأسمالي، الذي انتقل في صيغته النيوليبرالية المتوحشة من الإنتاج الحقيقي والتصنيع إلى هيمنة الاقتصاد المالي وتجريد الدولة من دورها الكلاسيكي كضامن للاستقرار الاجتماعي، ليتحقق ما نبأنا به كارل ماركس حول تقلبات الرأسمالية واضطرابها البنيوي الذي يدفعها إلى توليد أزماتها الذاتية. إن تسليع العمل وتفكيك العقد الاجتماعي أديا إلى إنتاج التفاوت الطبقي الأكبر في تاريخ البشرية، وتدمير التضامن المجتمعي، وترك الشارع في حالة غليان واغتراب سياسي دائم يتزايد يوماً بعد يوم.
ولعل فرنسا تقدم النموذج الأكثر إيلاماً وتكثيفاً لهذا الانكسار؛ فهي الدولة التي قامت أدبياتها الحديثة على قيم “الحرية والمساواة”، وبنت أعظم نماذج “دولة الرفاه” الاجتماعي في أوروبا، غير أن تسلل النيوليبرالية إلى مفاصل القرار الفرنسي حوّل “الدولة الرعائية” تدريجياً إلى أداة لخدمة تنافسية الأسواق على حساب كرامة المواطن.
في هذا التحول، أُعيد تعريف “الحرية” لتصبح حرية رأس المال والتنافس، بينما أُفرغت “المساواة” من مضمونها ليحل محلها تفاوت طبقي حاد يضع النخب الاقتصادية في المراكز الكبرى في مواجهة هامش واسع من الطبقات العمالية والوسطى في الأقاليم.
إن اشتعال الشارع الفرنسي المتكرر، من حركة القمصان الصفر إلى انتفاضات النقابات ضد قوانين التقشف، ليس إلا تعبيراً عن صدام عميق بين إرث أخلاقي يطالب بالعدالة، وواقع سياسي أفضى إلى انسلاخ الدولة عن التزاماتها التاريخية تجاه مجتمعها.
جموح المناخ ومضاعفة المخاطر الوجودية
ولا يتوقف هذا الاضطراب عند حدود الاقتصاد، بل يتشابك عضوياً مع جموح التغير المناخي الذي تحول إلى مضاعف حقيقي للمخاطر، يهدد سبل العيش والأمن الغذائي، ويرغم الملايين على النزوح القسري وسط عجز واستقالة أخلاقية من المنظومة الدولية، التي باتت تقدم الأرباح القريبة والمصالح الضيقة على حساب مستقبل الكوكب والإنسان، مما يضع الشارع والمجتمعات في مواجهة مباشرة مع كوارث البيئة والجفاف وفقدان الموارد.
عسكرة الرقمنة وصراع السيادة التكنولوجية
وبالتوازي مع هذا التداعي البيئي والاقتصادي، ينزع العالم نحو عسكرة التكنولوجيا وتجريدها من البعد الإنساني؛ حيث أضحت الرقائق الإلكترونية والرقمنة الدقيقة بمثابة شريان القوة وسلاح السيادة الجديد الذي تُعاد على أساسه رسم حدود النفوذ وبناء الجدران الرقمية المغلقة. إن التقنية تحولت من أداة لرفاهية البشر وتواصلهم إلى وسيلة للمراقبة المطلقة وإدارة الصراعات، وتأطير الهيمنة غير البشرية على القرارات السياسية والعسكرية والسيادية.
احتدام الهويات والانكفاء نحو سياسات الحضارة
ويكتمل هذا الانهيار البنيوي بالعودة الحادة إلى سياسات الحضارة وصراع الهويات القومية والدينية المغلقة؛ حيث تسعى الأنظمة المتداعية إلى توظيف الثقافة كأداة للتحصين الداخلي وتوجيه غضب الشارع نحو “الآخر”، لتفريغ حقوق الإنسان من مضمونها الأخلاقي وإغراق الفرد في تفكك وجودي يجرده من أمانه وكرامته وهو ما تتجلى أبعاده بوضوح في المشهد الأوروبي الراهن؛ حيث تنكفئ إيطاليا ودول أخرى نحو الخطابات الحضارية المحافظة لمواجهة أزمات الهجرة وفقدان الأمان، لتجد القارة العجوز نفسها محاصرة بين التبعية في حرب الرقائق التكنولوجية وتبعات الهجرة المناخية القادمة من الجنوب، في تأكيد حاسم على أن النموذج الأوروبي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية بات يعاني من انسلاخ عميق عن ركائزه الأخلاقية والسياسية.
استعادة السلم الأخلاقي ضرورة لإنقاذ المستقبل
إن هذه القوى الأربع المتداخلة تؤكد أن العالم لا يواجه أزمات منفصلة، بل يعيش لحظة انكسار تاريخية حاسمة تشير إلى نهاية مرحلة كاملة. ولن يكون بمقدور البشرية تجاوز هذا الخطر الوجودي بالحلول الترقيعية، بل بإعادة بناء العقد الاجتماعي الإنساني واستعادة السلم الأخلاقي الذي يحمي الإنسان ومستقبله.

التعليقات