التخطي إلى المحتوى

لم يكن توقيع مذكرة ‘بدر’ للتعاون في الصناعات الدفاعية بين تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا في الدوحة، في 21 أكتوبر/تشرين الأول، حدثًا منفصلًا عن التحولات التي تشهدها ترتيبات الأمن الإقليمي. فقد تزامن مع تحرّك أنقرة لاستكمال إجراءات التصديق البرلماني على اتفاق مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، الموقّع في أغسطس/آب الماضي. وبين اتفاق يضع إطارًا للمساعدة الدفاعية المتبادلة، ومذكرة تستهدف تطوير الصناعات العسكرية وتكامل قدراتها، تبرز شبكة متنامية من الشراكات، وإن لم تتحول بعد إلى حلف عسكري موحّد.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش يتجاوز البنود المعلنة: ماذا يريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من توسيع موقع بلاده في هذه الشبكة؟ وهل يمكن فصل حساباته الاستراتيجية عن مشروعه السياسي، وعن رؤيته لدور تركيا في العالمين العربي والإسلامي؟

من إرث أربكان إلى طموح أردوغان

لا يمكن فهم السياسة التركية الراهنة من دون العودة إلى صعود حزب العدالة والتنمية، الذي تأسس عام 2001 في سياق الانشقاق عن الحركة السياسية التي قادها نجم الدين أربكان. وقدّم الحزب نفسه آنذاك بوصفه قوة محافظة قادرة على الجمع بين المرجعية الاجتماعية الإسلامية والعمل ضمن النظام السياسي التركي.

تولى عبدالله غُل رئاسة الحكومة بعد فوز الحزب في انتخابات 2002، قبل أن يتسلم أردوغان رئاسة الوزراء في مارس/آذار 2003. ثم انتقل غُل إلى رئاسة الجمهورية عام 2007، فيما أصبح أردوغان رئيسًا للجمهورية عام 2014. ومع مرور السنوات، لم يعد الجدل مقتصرًا على هوية الحزب، بل امتد إلى تركّز السلطة في يد أردوغان، وإلى التحولات التي أصابت المؤسسات والتوازنات التي قامت عليها الجمهورية التركية.

ومن هنا، لا تبدو المخاوف من السياسة التركية مجرد اعتراض على طموحات دولة إقليمية. إنها تتصل أيضًا بالسؤال عن كيفية توظيف الهوية الدينية والرموز العثمانية في بناء النفوذ، ومدى تداخل ذلك مع المصالح الأمنية والاقتصادية التقليدية لأنقرة.

الربيع العربي فرصة أم عبء؟

أتاحت انتفاضات عام 2011 لتركيا فرصًا جديدة للتأثير في مسار المنطقة وقد سعت أنقرة إلى توسيع حضورها السياسي، وساندت قوى مرتبطة بالإسلام السياسي، فيما تحولت سوريا إلى ساحة مركزية لاختبار طموحاتها الأمنية والإقليمية.

غير أنّ هذه السياسة اصطدمت بتعقيدات الواقع السوري، وباستمرار المسألة الكردية في تركيا وسوريا والعراق، وبالتنافس مع قوى إقليمية ودولية. كما كشف إسقاط المقاتلة الروسية ‘سوخوي-24’ عام 2015 مدى خطورة التصعيد على الحدود السورية ـ التركية، ودلّ بشكلٍ غير رسمي إلى أنّ أنقرة كانت تسعى إلى جرّ حلف شمال الأطلسي إلى حرب مع موسكو.

من خاشقجي إلى شرق المتوسط

كشفت قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 كيف يمكن لملف قضائي وإعلامي بالغ الحساسية أن يتداخل مع العلاقات بين الدول. ثم شهدت العلاقات التركية ـ السعودية مسارًا من التوتر إلى التقارب، بما يعكس قدرة المصالح المتغيرة على إعادة تشكيل التحالفات.

وفي شرق المتوسط، تتواصل الخلافات بشأن الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الطاقة، ولا سيما بين تركيا واليونان وقبرص. وتمنح هذه النزاعات أنقرة دوافع استراتيجية واقتصادية، لكنها تثير أيضًا مخاوف لدى دول ترى في التحركات التركية تحديًا لترتيباتها البحرية ومصالحها السيادية.

وفي المقابل، حمل المنتدى الاستراتيجي الإماراتي ـ اليوناني في أثينا، في 22 أكتوبر/تشرين الأول، إعلان 18 مذكرة تفاهم واتفاقًا وشراكة تجارية بقيمة إجمالية بلغت 12.75 مليار يورو، وذلك بالتزامن مع إعلان اليونان ومصر اعتزامهما البحث في تطوير اتفاق ترسيم حدودهما البحرية الموقّع عام 2020 لمواجهة الاتفاق الأخير الذي تم إبرامه بين تركيا وليبيا.

ولا تثبت هذه التطورات أنها موجّهة ضد تركيا، لكنها توضح أنّ الدول العربية تستطيع تنويع شراكاتها، وأنّ التعاون مع اليونان يشمل مصالح اقتصادية وتقنية تتجاوز الخلافات السياسية.

ما الذي بين مكة وبدر؟

خلاصة القول إنه لا يكفي تزامن اتفاق مكة ومذكرة بدر للقول إنّ أنقرة نجحت في إنشاء محور عسكري جديد أو إنّ الشراكات ستتحول حتمًا إلى أداة لفرض مشروع أيديولوجي، فالاتفاقان مختلفان في طبيعتهما، ولا تزال آليات تنفيذهما وتبعاتهما العملية بحاجة إلى اختبار.

لكن من حق الدول العربية أن تسأل عن طبيعة الالتزامات المتبادلة، وحدود التنسيق العسكري والاستخباراتي، وأثر التعاون الدفاعي في استقلال القرار الوطني، فالتعاون مع تركيا ليس مشكلة في ذاته، كما أنّ الارتياب من سياساتها لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على كل اتفاق تعقده.

المعيار هو المصلحة العربية: هل تعزز هذه الشراكات قدرة الدول على حماية أمنها وسيادتها، أم تجعلها أكثر ارتباطًا بحسابات قوى إقليمية أخرى؟

وبين مكة وبدر، لا تكمن المسألة في اسمَي الاتفاقين، بل في ما سيترتب عليهما. أما الاختبار الحقيقي لأردوغان، ولشركائه العرب، فسيكون في قدرة هذه التفاهمات على إنتاج أمن متبادل يحترم سيادة الدول، لا نفوذًا يضعف استقلال قرارها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *