يتجاوز تفويض البرلمان المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي إرسال قوات عسكرية إلى السعودية المهمة الدفاعية المعلن عنها، ويحمل أبعادا إقليمية، تتخطى حدود العلاقة بين القاهرة والرياض، والخطاب الخاص بمتلازمة الأمن القومي المشترك. يضم إرسال قوات مصرية إلى السعودية معاني إقليمية عميقة.
يشير حرص القاهرة على العلانية في هذه المهمة إلى التخلي عن حذرها وتريثها وانكماشها وصبرها الذي اتبعته في التعامل مع صراعات اندلعت في المنطقة طوال السنوات الماضية وأنها قررت النأي عما يوصف بـ”الكمون الإستراتيجي” إن لم يكن إرسال القوات من أجل السعودية هذه المرة، ربما كان سيصبح من أجل دولة عربية أخرى على علاقة وثيقة بمصر وأمنها القومي، في وقت تتزايد فيه التوقعات بحدوث تحولات إقليمية كبيرة، يصعب أن تظل القاهرة بعيدة عن المشاركة فيها.
نحّي جانبا الحديث التقليدي حول الارتباط الوثيق بين أمن الخليج العربي وأمن مصر، أو التوقف عند عبارة “مسافة السكة” التي باتت معبرة عن السرعة في الاستجابة، أو حتى الخط الأحمر الذي اعتادت مصر رسمه في القضايا المصيرية، وركّز على توقيت التفويض المصري، والدولة التي تستفيد منه مباشرة (السعودية)، والدلالات التي ينطوي عليها، خاصة أنه بمجرد إعلان الرئيس السيسي عن استجابته لأي طلب سعودي حول إرسال قوات عسكرية، بدأت بورصة التكهنات ترتفع لتحليل الغرض من الخطوة، والأبعاد التي تنطوي عليها، والمآلات التي سوف تصل إليها.
من حيث التوقيت: تبدو منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات دراماتيكية عند مضيق هرمز والخليج العربي، ومضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وكل منهم قد يصاب بشلل كبير، إذا اتسع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي سوف تترتب عليها نتائج في غاية الخطورة، وفقا لتوازنات القوى في اللحظة التي يعلن فيها انتهاء العمليات العسكرية والتداعيات التي سوف ترافقها.
من الضروري أن تكون مصر قريبة، بالإنخراط مباشرة أو المتابعة الكثيفة، ولكل منهما صوره المختلفة، والتي يتوقف شكلها على حدود الانخراط طبيعة المتابعة.
وبما أن القاهرة إنحازت إلى خط إرسال قوات دفاعية في الوقت الراهن، لن يكون من المستبعد أن تتغير المعادلة والتوازنات والمهام، وفقا للسياقات والتطورات القادمة. إذ تتخطى مهمة الدفاع الدور التقليدي المعروف. أحيانا يمكن أن يصبح الهجوم أحد وسائل الدفاع عن النفس، ومن قبيل الردع ومنع تكرار التهديدات من مكان معين.
في مضمار التوقيت أيضا، يحمل الموقف المصري أهمية لافتة، لأنه جاء في خضم تعرض السعودية لضربات موجعة من جانب جماعة أنصارالله (الحوثي)، طالت أماكن مدنية ومطارت عدة، يؤدي تطورها إلى مزيد من الأذى، ما يدفعها إلى طلب الاستعانة بقوى أخرى لا ترغب في اللجوء إليها.
لعل إشارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إمكانية الاستعانة بإسرائيل قبل يوم واحد من إعلان الرئيس السيسي طلب التفويض من البرلمان المصري بإرسال قوات للدفاع عن السعودية، يؤكد الارتباط بينهما. استجابة القاهرة لأي طلب عسكري من الرياض، يبعد شبح التوجه نحو إسرائيل، الذي أشار إليه الرئيس ترامب صراحة.
من هنا تعد الدولة السعودية وما يحيط بها من ملابسات أمنية وسياسية عنصرا حاسما في أن يطفو التفويض المصري على السطح في هذا التوقيت. أخطأ من حصر الجاهزية العسكرية التي أبدتها القاهرة في الشق الثنائي مع الرياض، لأن جوانبها الإقليمية كبيرة.
المسألة أبعد من جماعة الحوثي التي لا تزال قدراتها العسكرية محدودة، لكن من الواجب توجيه رسائل ردع إليها، تتعلق بأن ما تقوم به ضد السعودية لا بد من وضع حد له قبل أن يزداد عدد القوى الإقليمية المتضامنة مع السعودية.
يصعب اختزال المعاني التي يحملها التفويض المصري في الشق العسكري. بعد خطاب الرئيس السيسي يوم السبت بساعات قليلة أرسل رئيس ما يسمى بمجلس النواب في صنعاء رسالة إلى رئيس مجلس النواب المصري، تحمل تحذيرا مبطنا ومزدوجا أحدهما يخص الأضرار التي يمكن أن تلحق بالأمن القومي لمصر، والآخر يتعلق بحدوث مشكلات داخلية فيها.
كلاهما لا يتسق مع دولة في حجم مصر ومركزيتها التاريخية في المنطقة. تعرف كيف تدافع عن أمنها وتحل مشاكلها بنفسها. بعيدا عن المضمون الإنساني الذي تحدث به خطاب رئيس برلمان صنعاء، فقد بدا متحدثا بإسم جميع اليمنيين، متجاهلا أنه لا أحد يعترف ببرلمانه أو جماعة الحوثي رسميا. بدلا من العتاب الذي حواه الخطاب للقاهرة، كان من الأولى وقف هجمات الصواريخ والمسيرات على السعودية.
تزامن مع التحرك المصري بشقه السياسي ومضمونه العسكري، إشارات جاءت من إيران بشأن قدرتها على الوساطة بين الرياض وجماعة الحوثي، دون اعتراف واضح باستعدادها للضغط على الطرف الأخير وإجباره على وقف تهديداته، لأنها ببساطة تستخدمه في تحقيق أهدافها الإقليمية، وتم تزويد الجماعة بأنواع متقدمة من التكنولوجيا العسكرية وتسهيل الحصول عليها من طرف ثالث، ما يكشف عدم منطقية الحديث عن هامش مناورة أو استقلال تملكه جماعة الحوثي بعيدا عن طهران.
قد يتسبب التفويض المصري في تحريك المياه الراكدة سياسيا، ويفتح نافذة للشروع في الجلوس حول طاولة مفاوضات جديدة لإيجاد حل مناسب، لأن استمرار الحرب على هذا المنوال، ربما يتسع مجالها، سوف يزيد الصراعات الإقليمية سخونة، بما يصعب تطويقها، وتلحق الضرر بجميع الأطراف، حتى الجهات التي تعتقد أنها بعيدة أو تستطيع حماية مصالحها يمكن جرها بسهولة إلى الحرب، في ظل التشابكات التي تحظى بها النزاعات التي تموج بها المنطقة، وعدم تحديد الفواصل بينها.
لا يتعارض التفويض مع ثوابت مصر حيال عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وجاء حسب القواعد القانونية وعقب موافقة البرلمان ومجلس الدفاع الوطني، حيث المهمة دفاعية بشكل أساسي، ربما تتنوع وتتعدد المهام العسكرية، لكن تواجد القوات المصرية ينحصر داخل الأراضي السعودية.
ويكفل اللجوء إلى الدستور توافر الضمانات التي تحدد شكل المهمة وأهدافها من قبل قيادة المؤسسة العسكرية والتي على علاقة قوية بمقتضيات الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل، القريب والبعيد، والمباشر وغير المباشر، ما يجعل المحتويات الإقليمية للقوات المصرية جزءا أساسيا في إرسال قوات إلى السعودية.

التعليقات