التخطي إلى المحتوى

تتجلى ازدواجية المعايير في توصيف الإرهاب حين تُدان الجريمة، وتوصف بأنها “عمل إرهابي”، ويُطالب بالتحقيق والمحاسبة، ثم يُحذف اسم الفاعل من المشهد، وكأن الإرهاب يمكن أن تكون له جريمة بلا مجرم.

هذا ما يثيره موقف السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، عقب الاعتداء على هايدي ليفين، المصورة الصحفية في صحيفة ‘واشنطن بوست’، فقد أدان الاعتداء وطالب باعتقال المتورطين ومحاكمتهم، لكنه وصف المعتدين بأنهم “ملثمون” من دون الإشارة إلى المستوطنين أو السياق الذي وقع فيه الاعتداء، رغم أن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين والصحفيين موثق على نطاق واسع. وقد سبق لوزارة الخارجية الأميركية نفسها أن وصفت بعض عنف المستوطنين بأنه “إرهاب” ودعت إلى محاسبة مرتكبيه.

المفارقة الأعمق أن ازدواجية التوصيف لا تنفصل عن ازدواجية التعامل مع الاحتلال نفسه، فحين يكون الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، يجري اختزال المشهد غالبًا في “العنف” و”الإرهاب” و”التهديد الأمني”، بينما يُترك الاحتلال، بما يرافقه من استيطان ومصادرة أرض وعنف ضد السكان، خارج دائرة التوصيف أو في مرتبة ثانوية. وفي المقابل، وثقت تقارير أميركية وأممية تصاعد عنف المستوطنين، بما في ذلك الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفي حالات وجود قوات إسرائيلية أو مشاركتها.

هنا تكمن المشكلة: لا يمكن الحديث عن ‘الإرهاب’ بمعزل عن السياق السياسي والقانوني الذي تجري فيه الجريمة، فالاحتلال ليس خلفية محايدة للأحداث، بل واقع قائم على السيطرة العسكرية والاستيطان وفرض الأمر الواقع، ومن ثم فإن تجاهله عند توصيف العنف يؤدي إلى قلب العلاقة بين السبب والنتيجة، بحيث يظهر الواقع المحتل وكأنه مجرد أزمة أمنية بين طرفين متساويين.

وإذا كان الاعتداء على صحفية أميركية يستحق الإدانة والتحقيق والمحاسبة، فإن الاعتداء على الصحفي الفلسطيني والمدني والمزارع الفلسطيني يستحق المعيار ذاته. وإذا كان الإرهاب جريمة، فلا ينبغي أن يتغير توصيفها بتغير هوية مرتكبها؛ وإذا كان القانون يطالب بالمحاسبة، فلا يجوز أن يكون الاحتلال نفسه سببًا لإفلات المعتدين من المساءلة.

لماذا تُستدعى لغة الإرهاب بسرعة عندما يكون الفلسطيني هو الفاعل، بينما يُبحث عن لغة أكثر حذرًا عندما يكون الفاعل من بيئة الاستيطان والاحتلال؟ فالعدالة تبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها، والاحتلال لا يمكن أن يبقى خارج الصورة عندما يجري الحديث عن العنف الذي ينتجه. أما إدانة الجريمة مع إخفاء هوية المعتدي وتجاهل سياق الاحتلال، فليست معالجة للإرهاب، بل استمرار للكيل بمكيالين.

وإذا كان الإرهاب جريمة، فلا ينبغي أن يتغير توصيفها بتغير هوية مرتكبها؛

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *