دمشق ـ تتجلى جوانب من التراث الثقافي السوري في فنون وحِرَف ومعارف توارثتها الأجيال، تحمل في مضامينها ملامح من الذاكرة الاجتماعية والهوية الثقافية.
ومع حلول اليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي التي تصادف اليوم الـ 17 من اكتوبر/تشرين الأول، تتجدد أهمية صون هذا الإرث وضمان استمراره بوصفه ممارسة حية، لا مجرد عناصر مسجَّلة على قوائم الاعتراف الدولي.
وعلى مدى السنوات الماضية أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‘اليونسكو’ 9 عناصر سوريّة على قوائم التراث الثقافي غير المادي، تشمل القدود الحلبية، وصناعة العود والعزف عليه، وممارسات زراعة الوردة الشامية وصناعتها في المراح، وصابون الغار الحلبي، والكحل العربي، والبِشْت، والصقارة، إضافة إلى نفخ الزجاج السوري يدويا ومسرح خيال الظل، المدرجين على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل.
ويعكس هذا التنوع امتداد التراث السوري بين الفنون الموسيقية والحرف التقليدية والممارسات الاجتماعية، وما يجمعها من معارف ومهارات تنتقل بين الأجيال.
ويسلط إدراج عنصر تراثي على قوائم اليونسكو الضوء على ضرورة استمرار ممارسته وتوثيق معارفه ودعم المجتمعات التي تحمله، وتبرز هذه المسألة بصورة خاصة في نفخ الزجاج السوري يدويا، الذي أُدرج عام 2023 على قائمة الصون العاجل، ومسرح خيال الظل الذي أُدرج عام 2018 على القائمة نفسها.
وفي خطوة لدعم استمرارية حرفة نفخ الزجاج، أقرت اليونسكو في يونو/حزيران 2026 تمويلا لمشروع يهدف إلى صون مهارات نفخ الزجاج السوري ونقلها، على أن تنفذه منظمة التنمية السورية ضمن مشروع مجتمعي يمتد 36 شهرا، حيث حذرت المنظمة من أن الحرفة تواجه تهديدات مرتبطة بتراجع عدد الحرفيين المتبقين، وغياب برامج تدريب منظمة.
وتكشف هذه المعطيات أن حماية التراث يبدأ من تسجيله، ويتطلب توفير الظروف التي تتيح للحرفيين الاستمرار في العمل، وتأهيل متدربين جدد، والحفاظ على المعارف الفنية المرتبطة بالممارسة، ما يضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة.
في سياق الجهود السورية المتعلقة بحماية التراث وتطوير آليات توثيقه، وقّعت وزارة الثقافة في يناير/كانون الثاني 2026 مذكرة تفاهم مع ملتقى رواق للتراث السوري، بهدف دعم توثيق التراث المادي وغير المادي، وتعزيز حفظ الذاكرة الثقافية وإتاحتها للجمهور وفق أطر علمية ومهنية، حيث تضمنت المذكرة مجالات للتعاون في التوثيق والبحث والبرامج الثقافية، مع التأكيد على احترام حقوق الأفراد والجماعات الحاملة للتراث.
كما شاركت سوريا في الملتقى الإقليمي حول حصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، الذي نظمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، بمشاركة 7 دول عربية.
وقالت مديرة مديرية التراث الثقافي اللامادي في وزارة الثقافة رولا عقيلي، في تصريح لمراسل سانا: إن التجربة السورية أولت حصر التراث أهمية خاصة لإشراك المجتمعات المحلية باعتبارها الحامل الحقيقي للتراث والمعارف التقليدية، بوصفها مدخلاً أساسياً لحمايته واستدامته.
ويمثل إشراك الحرفيين والفنانين والمجتمعات المحلية جانباً أساسياً في جهود الصون، لأن المعرفة التراثية لا تُختزل في وصف مكتوب أو صورة أرشيفية، بل ترتبط أيضاً بالممارسة والخبرة المتراكمة والبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها واستمرت عبرها.
وفي رؤيته لأهمية التراث أكد وزير الثقافة السوريمحمد ياسين الصالح، في مقالته “’لتراث الشعبي وروح المكان وذاكرته الحية’ التي نشرتها مجلة التراث الشعبي، مسؤولية صون ما خلفه لنا الأجداد من فنون وحرف وممارسات اجتماعية وتقاليد من الاندثار ونقله إلى الأجيال بحب ووعي.
وتتصل هذه الرؤية بالتحدي الأساسي الذي يواجه التراث الثقافي غير المادي، والمتمثل في إبقاء عناصره حاضرة في حياة المجتمع، من خلال تعليم الحرف وممارسة الفنون وتوثيق المعارف الشفوية وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها، إلى جانب تعزيز حضورها في المؤسسات التعليمية والثقافية والمبادرات المجتمعية.
وتتقاطع خطط الصون الميدانية مع البرامج الوطنية للأرشفة الرقمية وتوثيق الأطلس الوطني للتراث الثقافي غير المادي في سوريا، بهدف بناء قاعدة بيانات مرئية وشفهية لحصر الحرف والفنون الشعبية في المحافظات بالتعاون مع كليات الآداب والمعاهد العليا للغات، مبرزةً مرونة المبادرات الأهلية في تحويل الموروث إلى مشاريع تنموية مستدامة تحمي التعدد الثقافي ويوفر للأجيال القادمة حوامل بصرية متجددة للهوية الوطنية الجامعة.

التعليقات