التخطي إلى المحتوى

لم يكن الرجل يعرف متى بدأ التعب يسكن روحه، ولا كيف تحوّلت الأيام، على امتداد سنوات طويلة، إلى ممر ضيق يعبره مثقلا بأشياء لا يراها أحد. كان يمضي في الحياة كما يمضي مسافر أنهكه الطريق، لا ينتظر الوصول بقدر ما يرجو أن تنتهي الرحلة من دون أن يسقط في منتصفها. حتى الأشياء التي كانت تمنحه شيئا من البهجة فقدت ألوانها، وصار الفرح بالنسبة إليه ذكرى بعيدة، أشبه ببيت قديم لا يعرف إن كان ما يزال قائما أم أن الزمن سواه بالأرض.

ومع ذلك، لم يكن قد فقد قدرته على التأمل. كانت في أعماقه بقية صغيرة من رجل آخر، رجل لم ينجح العالم تماما في إفساده، ولم تستطع الخيبات المتراكمة أن تنتزع منه حاجته إلى الجمال.

في ذلك المساء، قادته خطواته الى قاعة صغيرة للفنون، لم يكن ينوي دخولها. غير أن نافذة واسعة كانت تطل على الداخل، ومن خلف الزجاج لمح امرأة تجلس أمام لوحة كبيرة، تمسك فرشاتها بيد ثابتة، وتنحني قليلا كلما أرادت أن تضيف خطا أو لونا.

توقف.

لم يكن في وقفته ما يشبه الفضول العابر. لقد شعر، لسبب لم يستطع تفسيره، أن شيئا ما في تلك المرأة ينادي الجزء المنسي من روحه.

كانت بارعة الحسن، لكن جمالها لم يكن من النوع الذي يفرض نفسه بالصخب أو يستجدي الانتباه. كان هادئا، عميقا، وفي عينيها شيء من الحزن الذي لا يحتاج الى دموع كي يرى. أما وجهها، فكان يوحي بأنها عرفت من الحياة أكثر مما ينبغي لامرأة في مثل عمرها.

دخل القاعة وجلس بعيدا عنها، متظاهرا بتأمل اللوحات المعلقة على الجدران. لكنه، في الحقيقة، لم يكن يرى سوى المرأة واللوحة التي تعمل عليها.

كانت ترسم ضفة نهر.

امتدت المياه في اللوحة بلون أزرق خافت، تتخلله انعكاسات ذهبية توحي بأن الشمس توشك على المغيب. وعلى الجانب الأيسر، ارتفعت أشجار رقيقة الأغصان، وانحنت بعض الأعشاب نحو الماء كما لو أنها تصغي إلى همسه. بدت الضفة، في ظاهرها، مكانا يصلح للقاء العشاق، ولانتظار العائدين، وللجلوس في مساء طويل لا يرغب المرء في انتهائه.

لكن شيئا ما كان يفسد هذا الانسجام.

فقد أحاطت المرأة حافة الضفة بصخور كبيرة، متراصة بعضها الى جانب بعض، كأنها جدار صغير يمتد بمحاذاة الماء، يمنع الضفة من ملامسة النهر، ويمنع النهر، في الوقت نفسه، من الاقتراب منها.

تأمل الرجل الصخور طويلا.

كان ثمة تناقض غريب في اللوحة؛ فالماء موجود، والضفة موجودة، والمسافة بينهما لا تتجاوز خطوات قليلة، ومع ذلك بدا اللقاء بينهما مستحيلا. كأن كل شيء في الطبيعة قد جاء الى مكانه الصحيح، باستثناء الشيء الوحيد الذي يمنح المكان معناه.

رفعت المرأة رأسها فجأة، فالتقت عيناها بعينيه.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم عادت الى الرسم.

لم يعرف الرجل لماذا شعر بالارتباك. ربما لأن ابتسامتها أيقظت فيه رغبة قديمة في أن يكون مرئيا، لا مجرد عابر يمر في حياة الآخرين من دون أن يترك أثرا. وربما لأنه، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أحس بأن قلبه ما يزال قادرا على أن يخفق لشيء لا علاقة له بالخوف أو الخسارة.

اقترب من اللوحة حين وضعت فرشاتها جانبا.

قال، محاولا أن يبدو عفويا:

ـ لماذا أحطت الضفة بكل هذه الصخور؟

نظرت إلى اللوحة، ثم إليه.

ـ   لأنها ضفة.

انتظر أن تضيف شيئا، لكنها سكتت.

قال:

ـ  أعرف أنها ضفة، لكن الضفة خلقت كي تلامس النهر، أليس كذلك؟

أطرقت قليلا، وكأن السؤال لم يكن جديدا عليها، ثم أجابت:

ـ ليس كل ما خلق ليلتقي يستطيع أن يلتقي.

شعر الرجل بأن الكلمات تجاوزت حدود اللوحة واستقرت في مكان ما من أعماقه. أراد أن يسألها إن كانت تتحدث عن الرسم أم عن نفسها، لكنه خشي أن يفسد اللحظة بسؤال مباشر.

قال بدلا من ذلك:

ـ  وهل هذه الصخور من صنع الطبيعة؟

تأملت فرشاتها بين أصابعها، وقالت:

ـ بعضها من صنع الآخرين، وبعضها نضعه نحن بأيدينا، ثم نقضي أعمارنا نتساءل لماذا لا نستطيع العبور.

لم يحرك الرجل عينيه عنها. كان في جوابها ما يشبه الاعتراف، لكنه اعتراف ناقص، كأنها فتحت بابا صغيرا ثم تركته مواربا، لا تسمح له بالدخول ولا تطلب منه الرحيل.

في الأيام التالية، صار يعود الى القاعة بحجج مختلفة. مرة ليتأمل لوحة جديدة، ومرة ليتحدث عن الفن، ومرة أخرى من دون حجة على الإطلاق. كانت تدعى ليلى، ولم تكن كثيرة الكلام، لكنها حين تتحدث تترك في عباراتها مساحات واسعة للصمت، كأن الكلمات عندها لا تقول كل شيء، بل تشير الى أشياء أخرى لا تجرؤ على تسميتها.

وكان الرجل، كلما اقترب منها، يشعر أنه يستعيد شيئا من نفسه. صار يلاحظ ألوان السماء، ورائحة المطر، ووجوه الناس في الشوارع. حتى حزنه القديم بدا أقل ثقلا، كأن حضورها لم يلغ أوجاعه، وإنما منحه سببا جديدا لاحتمالها.

غير أن انجذابه إليها لم يكن بريئا من الخوف. فقد كان يرى في نظراتها شرودا مفاجئا، وفي بعض لحظات صمتها انتظارا خفيا لشخص لا يأتي. وكانت، حين يذكر الحب، تخفض عينيها كأنها تخشى أن تكشف كلمة واحدة ما تخفيه وراء سنوات من التحفظ.

ذات مساء، بينما كانا يتأملان اللوحة التي قاربت على الاكتمال، سألها:

ـ هل أحببت أحدا يا ليلى؟

توقفت يدها فوق اللون الأزرق.

ـ  ولماذا تسأل؟

ـ  لأنني أشعر أحيانا أنك ترسمين شيئا عشته، لا شيئا تخيلته.

لم تجب. أخذت فرشاتها، وأضافت حجرا صغيرا إلى الصف الأول من الصخور، ثم ابتعدت خطوة عن اللوحة.

في تلك اللحظة، خطر للرجل أن ثمة رجلا آخر يقف، في مكان ما من حياتها، على الضفة المقابلة. رجل أحبته، أو انتظرته، أو ربما ما زالت تنتظر منه كلمة واحدة تعيد ترتيب العالم. وربما كانت الصخور التي وضعتها حول ضفتها حواجز أقامها ذلك الرجل، أو أقامتها هي كي لا تنكشف مرة أخرى أمام خيبة جديدة.

وللمرة الأولى، لم يشعر بالغيرة من رجل مجهول بقدر ما شعر بالشفقة عليهما معا. تخيل شخصين لا تفصل بينهما المسافات، بل الخوف؛ لا تمنعهما استحالة اللقاء، بل تلك الأشياء التي يتراكم بعضها فوق بعض حتى تصير، مع الزمن، جدارا يبدو أكثر صلابة من الرغبة نفسها.

لكنه لم يكن يعرف الحقيقة. ربما لم يكن هناك رجل آخر قط. وربما كانت ليلى ترسم الصخور لأنها تحب شكلها، أو لأن اللون الرمادي يوازن زرقة الماء. وربما كان كل ما يراه في اللوحة مجرد انعكاس لروحه المتعبة، التي اعتادت أن تبحث عن الحزن حتى في أكثر الأشياء جمالا.

كان يدرك ذلك، ومع هذا لم يستطع التخلص من إحساسه بأن اللوحة تخفي حكاية لم ترو.

وفي يوم المعرض، وقف أمامها طويلا. كانت قد وضعت إطارا داكنا حول اللوحة، وكتبت في أسفلها عنوانا صغيرا:

“ضفة من دون نهر”.

اقتربت منه ليلى وسألته:

ـ  ما رأيك الآن؟

قال، من دون أن يرفع عينيه عن الصخور:

ـ إنها لوحة جميلة، لكنها حزينة.

ابتسمت.

ـ وهل يجب أن يكون الجمال سعيدا دائما؟

ـ   لا. لكنني أظن أن الحزن يصبح أقسى حين يكون اللقاء ممكنا، ثم لا يحدث.

نظرت إليه طويلا، حتى خيل إليه أنها ستخبره أخيرا بما تخفيه. لكنه لم يسمع منها سوى سؤال هادئ:

ـ وهل تعتقد أن النهر سيأتي يوما؟

أجاب بعد صمت:

ـ لا أعرف. لكنني أعرف أن الضفة، مهما انتظرت، لن تستطيع أن تعيش إلى الأبد على وعد الماء.

لم تقل شيئا.

وحين غادر القاعة، كانت السماء تمطر. مشى ببطء، وترك قطرات الماء تتساقط على وجهه، متخيلا النهر الذي لم ترسمه ليلى كاملا، والرجل الذي ربما أحبته، واللقاء الذي ربما حرم منه الاثنان.

ثم فكر في نفسه.

كم ضفة بناها حول قلبه؟ وكم نهرا مرّ بمحاذاته من دون أن يجرؤ على الاقتراب؟ وكم مرة ظن أن الحياة هي التي حرمته من الحب، بينما كان هو، في مكان ما من أعماقه، يرص الصخور بيديه، حجرا بعد حجر؟

توقف عند إشارة المشاة، والتفت نحو نافذة القاعة. كانت ليلى لا تزال واقفة أمام لوحتها، وحيدة، تنظر إلى الضفة التي رسمتها.

لم يستطع أن يعرف إن كانت تنتظر النهر أم تخشاه.

ولم يعرف، وهو يواصل طريقه، إن كان قد أحب المرأة التي التقاها، أم أحب الحكاية التي تخيلها خلف عينيها.

لكنه أدرك شيئا واحدا: أن أكثر أشكال الوحدة قسوة ليست أن تكون وحيدا، بل أن تقف على مسافة خطوة واحدة من شيء تحبه، ثم تقضي عمرك كله تقنع نفسك بأن الصخور أقوى من رغبتك في الوصول.

أما ليلى، فقد بقيت في القاعة، أمام ضفتها المحاصرة.

وكان النهر، في مكان ما من اللوحة، يواصل جريانه بصمت.

لم يكن ينقصه الماء؛ كانت تنقصه الشجاعة كي يلامس الضفة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *