الرباط – بعد يوم واحد من تشكيل الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وضع العاهل المغربي الملك محمد السادس أمامها خريطة اقتصادية واجتماعية للمرحلة المقبلة، تتقدمها مطالب المواطن اليومية، من الأسعار وفرص العمل إلى العلاج والتعليم والسكن، في خطوة تمنح الفريق الحكومي الجديد أهدافاً محددة قبل الشروع في تنفيذ أول ميزانية خلال ولايته.
وجاءت هذه التوجهات خلال مجلس وزاري ترأسه الملك محمد السادس، السبت، بالقصر الملكي في الرباط، خُصص للمصادقة على الخطوط العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يجمع بين معالجة الضغوط المعيشية وتوفير الموارد اللازمة للمشاريع التنموية، مع إعطاء أهمية خاصة لسرعة انتقال القرارات من المؤسسات إلى أرض الواقع.
ويحمل توقيت الاجتماع دلالة سياسية واقتصادية، إذ تنتقل الحكومة الجديدة مباشرة من مرحلة توزيع المسؤوليات إلى مواجهة ملفات ترتبط بحياة المغاربة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات تظهر نتائجها في الخدمات العامة والدخل وفرص التشغيل.
وتضع التوجهات المالية تحسين القدرة الشرائية في مقدمة الاهتمامات، من خلال مراجعة آليات الأسواق والأسعار ابتداء من العام المقبل، وزيادة المساعدات الاجتماعية المباشرة، وتوسيع الاستفادة من التأمين الصحي، إلى جانب تطوير المستشفيات والمدارس العمومية وتيسير امتلاك السكن.
وتشير هذه الخيارات إلى رغبة في جعل السياسة المالية أكثر اتصالاً بالواقع الاجتماعي، بحيث لا يقتصر أثر الميزانية على تحريك النشاط الاقتصادي، بل يصل إلى الأسرة المغربية التي تقيس تحسن أوضاعها بما تستطيع توفيره من احتياجات أساسية، وبمستوى الخدمات التي تحصل عليها.
ولم تقتصر التوجهات الجديدة على تحديد المجالات المستهدفة، بل شملت تخصيص 25 مليار درهم لدفع برامج التنمية المحلية والجهوية، في مسعى لتقليص الفوارق بين المناطق وتوسيع استفادة السكان من الاستثمارات والخدمات العمومية.
ويمنح هذا المبلغ الحكومة أداة مالية مهمة لتسريع المشاريع، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من التجهيزات والبنية التحتية وفرص النشاط الاقتصادي. كما يضع السلطات التنفيذية والمحلية أمام مسؤولية التنسيق في إنجاز البرامج، بما يحد من التأخير الذي قد يفصل بين اعتماد التمويل ووصول نتائجه إلى المستفيدين.
ويحظى الشباب بموقع بارز في التصور الحكومي المقبل، من خلال برنامج وطني يمتد بين عامي 2027 و2031، يسعى إلى وصل مراحل الدراسة والتأهيل المهني بفرص العمل، وتسهيل حصول أصحاب المبادرات على التمويل والدعم اللازم لدخول الأسواق.
ويأتي هذا التوجه استجابة للحاجة إلى معالجة صعوبات اندماج الشباب في الحياة الاقتصادية، عبر الانتقال من المبادرات المنفصلة إلى مسار متكامل يرافقهم من التعليم إلى الاستقلال المهني والاجتماعي.
وفي الجانب الاقتصادي، تتجه المملكة إلى تعزيز قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية من المياه والطاقة والغذاء، بالتوازي مع توسيع مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر وتطوير البنية التحتية للغاز والقدرات الرقمية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل التحولات الدولية التي تزيد كلفة الحصول على الطاقة والتمويل والتكنولوجيا، ما يدفع المغرب إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي وتنويع مصادر النمو.
كما تراهن التوجهات الجديدة على تحفيز القطاع الخاص، ولا سيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الاستثمار في الجهات، باعتبار أن قدرة الدولة على تمويل برامجها الاجتماعية ترتبط أيضاً بتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص إنتاج وعمل جديدة.
وتستند هذه التوجهات إلى تقديرات رسمية تشير إلى إمكانية بلوغ النمو الاقتصادي 4.7 بالمئة بنهاية 2026، مع تسجيل تضخم في حدود 0.7 بالمئة، وتراجع عجز الميزانية إلى ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن الرهان الأبرز أمام الحكومة الجديدة يتمثل في تحويل التحسن الاقتصادي المتوقع إلى مكاسب يشعر بها المواطن، خصوصاً أن استقرار الأرقام العامة لا يعني بالضرورة تراجع الأعباء المعيشية بالوتيرة نفسها.
وتبدو خصوصية المرحلة الجديدة في الجمع بين تحديد أولويات اجتماعية واضحة وتوفير اعتمادات مالية لبعض البرامج منذ البداية، وهو ما يفتح المجال أمام تقييم الأداء الحكومي على أساس ما يتحقق فعلياً، وليس فقط على حجم المشاريع المعلنة.
ومع استمرار المغرب في تطوير بنيته الاقتصادية والاستعداد لاستحقاقاته الدولية الكبرى، تبرز أهمية تحقيق التوازن بين الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأمد والاحتياجات التي ينتظر المواطن تلبيتها في أقرب وقت، حتى تسير التنمية الاقتصادية والاجتماعية بوتيرة متقاربة.
وبذلك تبدأ الحكومة المغربية الجديدة عملها أمام برنامج تتحدد فيه الوجهة العامة والموارد المخصصة لعدد من المشاريع، بينما يبقى التحدي الأساسي في حسن إدارة الوقت والإنفاق، وضمان وصول نتائج الإصلاحات إلى مختلف فئات المجتمع ومناطق المملكة.
فنجاح ميزانية 2027 لن يتوقف عند حجم الأموال المرصودة أو عدد البرامج المعتمدة، بل سيتحدد بقدرتها على إحداث فارق في حياة المواطن المغربي، حين يجد فرصة عمل، أو خدمة صحية أفضل، أو تعليماً أكثر جودة، أو قدرة أكبر على مواجهة تكاليف الحياة. وعند تلك النقطة تحديداً تتحول الأولويات الحكومية من قرارات مالية إلى نتائج اجتماعية ملموسة.

التعليقات