لم أكن أعلمُ، وأنا أخطو نحوَ بابِ ذلك الفصلِ في صباحٍ باهتٍ من صباحاتِ المرحلةِ الإعدادية، أنني أخطو نحوَ مسرحِ محاكمةٍ كونيةٍ، وأنَّ الكتابَ الذي أخفيته بين دفتي محفظتي الجلدية سيصبحُ يوماً ما شهادةَ ميلادي الحقيقية في عالمِ الكبار.
كان عمري حينها قد تجاوزَ حدودَ الطفولة بقليل، لكن وعيي كان قد تجاوزَ حدودَ بلدي بكثير، لأنَّ القراءةَ ليست ترفاً، بل هي جوازُ سفرٍ مزوّرٍ نحوَ عوالمَ لا يجرؤُ الآخرون على زيارتها. كان الهواءُ في ذلك الفصلِ ثقيلاً كأنه محمّلٌ بغبارِ سنواتٍ من الصمت، وكانت الجدرانُ تحفظُ أنفاسَ التلاميذِ الخائفينَ أكثرَ مما تحفظُ دروسَهم. كانت السبورةُ السوداءُ تشبهُ حفرةً مظلمةً في جسدِ المعرفة، وكانت الطاولاتُ مصفوفةً كالقبورِ في مقبرةٍ هندسيةٍ لا روحَ فيها.
كان أستاذُ التربيةِ الإسلاميةِ رجلاً يُشبهُ الأسطورةَ السوداءَ التي تخيفُ الأطفالَ في القرى النائية. نحيلٌ كخيطٍ من دخان، لكن صوتَه كان قادراً على هزِّ جدرانِ المدرسةِ من أساسها، ويداه كانتا طويلتين كذراعي شبحٍ يقتنصُ الأخطاءَ من الهواء. كان يمنعُ الاختلاطَ بين الذكورِ والإناثِ وكأنَّ اللهَ وكّلَه شخصياً بحراسةِ أعراضِ الكون. ويلٌ لمن تزيّنت، وويلٌ لمن تعطّرت، وويلٌ لمن لبست ثوباً يصفُ ما تحته، والعكسُ صحيحٌ بالنسبةِ للذكور. كان الفصلُ في حصته أشبهَ بمقبرةٍ من الصمتِ المقدس، وكأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، أو على ألسنتنا أقفالاً من حديد. وكان يفرضُ علينا حفظَ أجزاءٍ من القرآن الكريم وبردةِ البوصيري وهمزيته وغيرها من الكتبِ والتصنيفاتِ التي ما أنزلَ اللهُ بحفظها عنوة من سلطان، ولا الوزارةُ الوصيةُ أقرّتها في مقررها. كان يمارسُ سلطةً لا يمنحها له المنهجُ، بل يمنحها له الخوفُ الذي زرعه فينا، والخوفُ أشدُّ فتكاً من أيِّ منهجٍ أو مقرر، لأنَّ المنهجَ يُنسى بعد الامتحان، أما الخوفُ فيسكنُ العظامَ إلى الأبد. كان يربي فينا حساسيةً مفرطةً تجاه كل شيء، حساسيةً تشبهُ حساسيةَ الجرحِ المفتوحِ للهواء، فصارت أجسادُنا مشاريعَ خوفٍ، وصارت أرواحُنا مزارعَ صمتٍ لا ينبتُ فيها إلا الرعب.
كنتُ في ذلك الزمنِ مراهقا نحيلاً، لكن رأسي كان مثقلاً بالأسئلةِ كسنبلةٍ في موسمِ الحصاد. كنتُ أتساءلُ: كيف يمكنُ لرجلٍ أن يدّعي احتكارَ الحقيقةِ وهو لم يقرأْ شيئاً سوى ما يريده؟ كيف يمكنُ لمن يدّعي التربيةَ أن يزرعَ فينا الخوفَ بدلاً من الفضول المعرفي؟ كنتُ أقرأُ في الخفاءِ كما يقرأُ السجينُ رسائلَ الحريةِ على جدارِ زنزانته. وكان زميلي في المقعدِ الخلفي شريكي في هذه الجريمةِ النبيلة: نتبادلُ الكتبَ سراً، كتاباً مقابل كتاب، وكأننا نصكُّ عملةً جديدةً لعالمٍ لا يعرفُ الخوف. كان يمرّرُ لي الكتابَ تحت الطاولةِ كما يمرّرُ المهربونَ المواد الممنوعة عبر الحدود، وكانت نظراتُنا تتقاطعُ كتواطؤٍ بين ثائرين. كنا نعقدُ في مقعدنا الخلفي جمهوريةً صغيرةً من الورق، لها دستورها الخاص، وقانونها الوحيد: لا سلطةَ على الفكر. في ذلك اليومِ المشؤوم، اقترضتُ منه نسخةً من “الخبز الحافي” لمحمد شكري. كان الكتابُ رقيقاً، لكنه كان يحملُ ثقلَ العالمِ كلّه. حملتُه في محفظتي كمن يحملُ قنبلةً موقوتة. وكنتُ أعلمُ أنني أخاطر، لكنني لم أكن أعلمُ أنَّ المخاطرةَ هي أولُ خطوةٍ نحوَ الحرية، أو كام قال المتصوف النّفاري : “المخاطرة نجاة”
ما إن وقعت عينا الأستاذِ المتزمتِ على الكتابِ حتى تحوّلَ الفصلُ إلى ساحةِ معركة. انقلبَ رأساً على عقب. صرخَ، وزعقَ، وسبَّ، وشتمَ، وكأنَّ الكتابَ دخلَ الفصلَ حاملاً سكيناً وسيقتلُ أخلاقَ التلاميذِ واحداً واحداً. قال إنَّ محمد شكري يدعو إلى “الفسقِ والتهتكِ وتخريبِ المجتمعِ وضربِ قيمه وأخلاقه”. قال هذا وهو لم يقرأْ في الكتابِ حرفاً واحداً. فقط أحدُ الأساتذةِ حكى له عن مضمونه، فتحوّلَ الحكيّ إلى حكمٍ، والحكمُ إلى إعدامٍ، والإعدامُ إلى درسٍ في الصف. يا للهول! رجلٌ يحكمُ على كتابٍ من عنوانه، ويدينُ كاتباً من غلافه، ويوزعُ صكوكَ الغفرانِ واللعناتِ بحسبِ مزاجه اللاهوتي. كان يصرخُ كأنَّ الحروفَ التي في الكتابِ ستقفزُ من الصفحاتِ لتنهشَ أخلاقَ التلاميذ. لم يكن يغضبُ من الكتابِ لأنه قرأه، بل لأنه تخيلَه. وتخيُّلُ المتزمتِ أفتكُ من قراءتِه، لأنَّ الخيالَ عند المتزمتِ لا ينتجُ معرفةً بل ينتجُ رعباً، والرعبُ هو مادتُه الخامُ التي يبني بها سلطتَه على العقولِ الصغيرة. كان الرجلُ يخافُ من الكلماتِ كما يخافُ الساحرُ من المرايا، لأنَّ الكلماتَ تكشفُ ما يخفيه، والمرايا لا ترحمُ من لا يحبُّ وجهَه. مرّت الحصةُ وكأنني في مستوطنةِ العقابِ التي تحدثَ عنها كافكا في إحدى رواياته المرعبة، حيث يُحاكمُ الإنسانُ على جريمةٍ لم يرتكبها، ويُعاقبُ على فكرةٍ لم تُولد بعد. كنتُ أجلسُ في مكاني كتمثالٍ من رعبٍ وذهول، أتساءل: لماذا يخافُ هذا الرجلُ من كتابٍ يحكي حياةَ إنسانٍ عاشَ الجوعَ والحرمانَ والضياعَ والتشرّد؟ لماذا يخافُ من الحقيقةِ العاريةِ التي كتبها صعلوكٌ من طنجة؟ هل يخافُ من الفقرِ أم من الحريةِ؟ أم من أنَّ تلاميذَه قد يكتشفوا أنَّ الحياةَ ليست تلك الصورةَ الباهتةَ التي يرسمها لهم؟ كان يخافُ من “الخبز الحافي” لأنَّ الخبزَ في الكتابِ ليس خبزاً، بل هو جوعٌ مقدسٌ، جوعُ الحقيقةِ التي لا تُشبعُها فتاوى المتزمتين. وكان يخافُ من كلمةِ “حافي” لأنَّ الحفاءَ عنده ليس فقراً، بل هو تجرُّدٌ من الأكاذيبِ التي يلبسُها أمثالُه كالعباءات.
في الحصةِ الموالية، مرّت الحصةُ بنفسِ وثيرةِ التنمّرِ، بنفسِ الصراخِ، بنفسِ الشتيمة. وفي الحصةِ الثالثة، قررتُ أن ألعبَ لعبةَ المتزمتِ نفسَها لأنجوَ من غضبه. أتيتُ بكتابٍ من نفحاتٍ إسلامية، أعتقد أنه كان “جاهلية القرن العشرين” لمحمد قطب، أخو سيد قطب الذي أعدمه جمال عبد الناصر بسبب انتمائه إلى تيار الإخوان المسلمين. وضعتُ الكتابَ على حافةِ الطاولةِ بوضوح، وكأنني أشتري صكوكَ غفراني منه، وأمحو ما تركه “الخبز الحافي” من غضبٍ عليّ. مرّ الأستاذُ بين الصفوفِ كما يمرُّ ضابطُ الصفِّ بين الجنود. ما إن وقعت عيناه على الكتاب حتى رأيتُ ابتسامةً عريضةً على محياه، وبهجةً وطمأنينةً لا توصف. أخذ الكتابَ بين يديه وقال بصوتٍ جهوري: “هذا الذي أريدك قراءته. هذه الكتبُ هي التي تربي فيكم القيمَ والنبل.” كان داخلي بركاناً يغلي. كنتُ أعتقدُ أنَّ هذا المتزمتَ بسلوكه القهريِّ الأرعنِ هو أبو جهلٍ بعينه، وما يرسخه في وجداننا من مؤلفاتٍ تشبهه تماماً هي الجهالةُ الجهلاء. يا لسخريةِ التاريخ! رجلٌ يمنعُ كتاباً يحكي حياةَ صعلوكٍ عارياً، ويحتفي بكتابٍ يحملُ في عنوانه “جاهلية القرن العشرين”، وكأنَّ الجاهليةَ تُعالجُ بالجاهلية، والجهلُ يُطردُ بالجهل. كان الكتابُ الأولُ جريمةً لأنه يحكي الحياةَ كما هي، والكتابُ الثاني فضيلةً لأنه يحكي الحياةَ كما يريدها المتزمتون. بين الحياةِ كما هي والحياةِ كما يريدها الخائفون، تمتدُّ مسافةٌ من الدمِ والدموع، وربما من الضحكِ أيضاً. في تلك اللحظة، أدركتُ أنَّ المتزمتَ لا يقرأُ الكتبَ، بل يقرأُ العناوينَ، لأنه لا يملكُ شجاعةَ الغوصِ في المعاني، بل يملكُ فقط شجاعةَ إصدارِ الأحكام. والعنوانُ عنده شفرةٌ مقدسة: إن كان يوافقُ هواه فهو نورٌ، وإن خالفه فهو زندقة. وهكذا يصبحُ الفكرُ لعبةَ عناوين، وتصبحُ التربيةُ صناعةَ خوفٍ من العناوين.
وبعد سنينَ عدداً، وفي أحد اللقاءاتِ النادرةِ التي كان ينظمها اتحادُ كتابِ المغرب على هامش مؤتمراته، في مناسبةٍ جمعتني بمحمد شكري، وكنا على مائدةِ العشاء، حكيتُ له القصة. فكاد يغمى عليه من الضحك، مردداً: “الوغد، الوغد، الوغد!” يقصد الأستاذَ المتزمت. كان شكري يضحكُ من قلبه، ضحكةً فيها مرارةُ السخريةِ من عالمٍ يُحاكمُ فيه الكتابُ من غلافه، ويُدانُ فيه الكاتبُ من عنوانه، ويُصفّقُ فيه للجاهليةِ إذا لبست ثوبَ الدين. كان يضحكُ لأنَّ الضحكَ في مثل هذه الحالاتِ ليس ترفاً، بل هو آخرُ سلاحٍ يملكه المقهورُ في مواجهةِ عبثيةِ السلطةِ المعرفية. كان يضحكُ كمن يتذكرُ طفولتَه في طنجة، حيث كان الجوعُ يكتبُ سيرتَه على جسده قبل أن يكتبَها هو على الورق. كان يضحكُ ضحكةَ من اكتشفَ أنَّ جلادَه كان يخافُ منه أكثرَ مما كان يخافُ هو من جلاده. وفي تلك الليلة، أدركتُ أنَّ “الخبز الحافي” لم يكن مجردَ كتابٍ، بل كان مرآةً لصراعٍ أكبرَ بين الحريةِ والقمع، بين المعرفةِ والجهل، بين الحياةِ كما هي والحياةِ كما يريدها المتزمتون. كان شكري يكتبُ حياتَه عارياً دون ماكياج، وهذا ما أزعج الأستاذَ المتزمتَ، لأنَّ العريَ في نظرِ المتزمتين ليس عريَ الجسدِ فقط، بل عريُ الحقيقةِ أيضاً. والمتزمتون يخافون من الحقيقةِ أكثرَ مما يخافون من الجسد، لأنَّ الجسدَ يُغطى بقطعةِ قماش، أما الحقيقةُ فلا يُغطيها إلا الكذب، والكذبُ عند المتزمتِ صناعةٌ كاملةٌ لها مصانعُها وأسواقُها ومواسمُها.
لقد تعلمتُ من تلك التجربةِ أنَّ التربيةَ الإسلاميةَ الحقيقيةَ ليست في حفظِ البردةِ والهمزيةِ، ولا في منعِ الاختلاطِ والتعطّرِ، بل في تعلمِ كيف تنظرُ إلى العالمِ بعينين مفتوحتين، وكيف تقرأُ الكتابَ قبل أن تحكمَ عليه، وكيف تحترمُ الآخرَ حتى لو اختلفتَ معه. تعلمتُ أنَّ المتزمتَ يخافُ من الكتابِ لأنه يخافُ من الحرية، ويخافُ من الحريةِ لأنه يخافُ من نفسه، ويخافُ من نفسهِ لأنه لا يعرفُها. أما الإنسانُ الحرُّ فيقرأُ كلَّ شيء، ويحاكمُ كلَّ شيء، ويحترمُ كلَّ شيء، لأنه يعلمُ أنَّ الحقيقةَ لا تخافُ من الكتبِ، بل تخافُ من الذين يحرقونها. لقد بقي الأستاذُ المتزمتُ في ذاكرتي كرمزٍ للجاهليةِ التي تلبسُ ثوبَ الدين، وتظنُّ أنها تحاربُ الجاهلية، وهي غارقةٌ فيها إلى أذنيها. وبقي محمد شكري، الصعلوكُ الذي كتبَ حياتَه عارياً، رمزاً للحريةِ التي لا تُشترى ولا تُباع، ولا يُغلقُ عليها بابُ فصلٍ ولا يُلجمُها صمتُ مقبرة. وبقيتُ أنا، بين هذا وذاك، أضحكُ ضحكةً فيها شيءٌ من مرارةِ شكري، وشيءٌ من غضبِ ذلك المراهق الذي اقترضَ كتاباً فوجدَ نفسَه في مستوطنةِ العقاب، حيث الجريمةُ هي أن تقرأ، والعقابُ هو أن تفهم، والخلاصُ هو أن تضحك.

التعليقات