التخطي إلى المحتوى

تحوّلت العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من ذروة التناغم الأيديولوجي والسياسي في القضايا الإقليمية إلى صدام واحتكاك مدفوعَيْن بالحسابات الانتخابية والشخصية الضيقة لكلا الطرفين.

فالشراكة بينهما بدأت وثيقة للغاية، كانا يعتقدان أنهما يقتربان من تحقيق أحلامهما في الشرق الأوسط. ترامب بإعادة استكمال مشروعه الذي أنهى به فترته الأولى، الاتفاق الإبراهيمي، مدشناً مرحلة جديدة تعيش فيها المنطقة حالة من الرفاهية الاقتصادية وتتحول فيها أحلام ريفيرا غزة إلى حقيقة.

أما نتنياهو، فكان يعتقد أنه يؤسس لجمهورية إسرائيل الثانية، حيث لا وجود لدولة فلسطينية، ولا أذرع إيرانية، ولا حتى وجود لإيران الثورية. لكن في الحقيقة تبددت أحلام كل منهما، وما بدأ في الكنيست بأنه من محاولة ترامب لإخراج نتنياهو من قضايا الفساد التي أضرت به، انتهى بخلافات وتصريحات ضمنية وتسريبات كشفت عن مدى تردي العلاقة بين الرجلين.

فكلاهما بشكل أو بآخر يواجهان فشلاً مزدوجاً ربما تتأكد معالمه في الانتخابات المقبلة لدى كل منهما. الأول عندما يفقد حزبه السيطرة على الكونغرس. والثاني على مستقبله الشخصي والسياسي، فلو استمر في منصبه، فما هي كلفة هذا الاستمرار. أما لو رحل في غياهب النسيان، فسيكون هذا بعد أن تسبب في شروخ وأزمات وتصدعات في المؤسسات الأمنية والعسكرية وحتى السياسية. 

غزة بالنسبة إلى نتنياهو لا تختلف كثيراً عن إيران بالنسبة إلى ترامب، والمقارنة هنا لا تعني التطابق بين الحالتين، بل التشابه في مأزق تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستدامة. في النهاية هو مجرد صراع بدأ واندلع لتحقيق أهداف معينة ومحددة، إلا أن تلك الأهداف تعثرت وتعقدت المسارات حتى إنها في بعض الأحيان انقلب فيها السحر على الساحر، كما حدث مع إيران، فلم يسقط النظام، وبقيت كل ملفات الأزمة كما هي: النووي، الباليستي، والأذرع، فضلاً عن سلوكها الذي ازداد شراسة بعدما نجحت في تحويل أزمة مضيق هرمز إلى فرصة لتعظيم مكاسبها على الأرض.

يمكن قراءة هذه التحولات والمفارقات من خلال خمسة محاور رئيسية. أولها، اختزال الملفات المعقدة، حيث اعتمد الرجلان على استراتيجية الصدمات والحلول الالتفافية؛ فترامب تعامل مع أزمات الشرق الأوسط المعقدة بمنطق “الصفقة العقارية” والقفز فوق الأسباب الجذرية (القضية الفلسطينية)، بينما سعى نتنياهو لتوظيف ذلك لتفتيت الحقوق الفلسطينية وتصفية خصومه الإقليميين.

الثاني، فشل استراتيجية الضغط الأقصى، استهدف معسكر ترامب-نتنياهو إضعاف النظام الإيراني وتفكيك شبكة حلفائه الإقليميين بالكامل. لكن النتيجة أظهرت أن هذه السياسة كانت غير ذات جدوى، وأن القوة العسكرية لها دور لا يمكن تجاوزه؛ حيث لم يسقط النظام الإيراني، وواصلت طهران التكيف مع العقوبات وتعزيز مكاسبها الاستراتيجية على الأرض (كما ظهر في توظيف أزمات الملاحة والسيطرة الإقليمية)، مع بقاء كافة الملفات الحرجة (النووي، الصواريخ الباليستية، والأذرع) قائمة كتهديد مستمر.

الثالث، تصادُم الرؤى الشخصية، حيث يبحث ترامب دوماً عن صورة “صانع السلام القوي” الذي يحقق إنهاءً سريعاً للحروب والأزمات لخدمة أجندته الداخلية وسيطرة حزبه، بينما يرى نتنياهو أن بقاءه السياسي مرهون بالاستمرار في حالة الحرب ومواكبة مطالبات اليمين المتطرف، حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع التوجهات الأميركية.

الرابع، تدهور العلاقات والتسريبات، فلم تكن الثقة بين الرجلين مطلقًا بالقدر الذي بدا على السطح؛ إذ أظهرت التسريبات والخطابات الدبلوماسية المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب وجود شروخ عميقة وخلافات حادة بشأن آليات التعامل مع غزة والملف الإيراني. ترامب بات ينظر لنتنياهو في كثير من الأحيان كعائق أمام طموحاته التفاوضية، بينما يخشى نتنياهو أن تُقدم أي إدارة أميركية على إبرام صفقات إقليمية لا تضمن استمراره السياسي.

الخامس، الشروخ المؤسسية ومستقبل الرجلين، في إسرائيل، تحوّل مسعى نتنياهو للبقاء في السلطة وتفادي الملاحقات القضائية بتهم الفساد إلى أزمة مؤسسية غير مسبوقة؛ حيث تسبب في تصدعات وشروخ عميقة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية، التي باتت تحذر من كلفة الاستمرار في حروب مفتوحة دون أفق سياسي واضح.

وفي الولايات المتحدة، يواجه ترامب اختبارات سياسية متواصلة تتعلق بقدرته على ترجمة وعوده الانتخابية الخارجية إلى مكاسب ملموسة، وسط تجدد النقاش داخل الأوساط السياسية الأميركية حول جدوى الدعم المفتوح لسياسات حكومة اليمين الإسرائيلي ومدى تأثير ذلك على النفوذ الأميركي ومصالح واشنطن في المنطقة، بالإضافة إلى صدام مع المؤسسة العسكرية التي ترى أن الحرب على إيران تسببت في تراجع قدرتها لخوض مواجهة محتملة مع الصين.

البعض يرى أن ترامب أدار ظهره لصديقه القديم بشكل مفاجئ، ليس فقط لأنه يكره الخاسرين، بل قبل كل شيء لأنه يعتقد أنه تم خداعه. فقد وعده نتنياهو بهزيمة إيران، والإطاحة بنظام آية الله، وحروب الإقصاء السريعة على كل جبهات الإسناد التي تدعمها طهران، وزاد غضب ترامب من رئيس الوزراء لفشله في إنهاء الحرب في غزة في الوقت المناسب، مما أحبط طموحاته لتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وترسيخ إرثه كصانع سلام.

وقبل أيام، في مقابلة مع “نيوزماكس”، رفض الرئيس الأميركي تأييد حملة إعادة انتخاب نتنياهو، وقال،” في عالم السياسة، لا أثق بأحد.” مضيفاً، إنه لا ”يسمع أشياء سيئة” عن أيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو. وليست هذه المرة الأولى التي يرفض فيها ترامب تأييده صراحة في حملته الانتخابية.

رغم ما سبق، فإن ترامب كثيراً ما يعيد تقييم مواقفه وآرائه من النقيض إلى النقيض. لا يزال هناك أيام كافية قبل انتخابات إسرائيل ليغير رأيه. لكن في الوقت الحالي، ترامب لا يراهن على نتنياهو، وكل التوسلات والتلاعبات القادمة من القدس فشلت في تحقيق هدفها.

الآن أصبحت المنطقة تعاني مرتين، الأولى من انعكاسات الشراكة بين ترامب ونتنياهو، والثانية من تداعيات الخلاف بين الرجلين. حيث أثبتت التطورات أن الاستراتيجيات الدولية يتم بناؤها على الواقع السياسي والميداني والجغرافي، ليس على الصفقات والمشروعات العقارية.. وأن تحويل الصراعات التاريخية والملفات الشائكة إلى مجرد أدوات في أزمات الانتخابات والبقاء الشخصي قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ فهي لم تحقق أوهام “الرفاهية” الموعودة، ولم تُصفَّ القضايا الإقليمية، بل تشكّل واقعًا أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *