التخطي إلى المحتوى

موسكو ـ كشف باحثون روس من معهد أبحاث الفضاء التابع لأكاديمية العلوم الروسية عن تحديد 30 منطقة غنية بالمياه على سطح المريخ، بعد إعداد خريطة مفصلة للرواسب الصخرية التي تحتوي على الماء في مواقع متفرقة من الكوكب الأحمر، في خطوة من شأنها تعزيز فهم العلماء لتوزيع المياه فيه، وتوفير معطيات جديدة لدراسة تاريخه الجيولوجي والظروف التي قد تكون ساهمت في نشأة بيئات ملائمة للحياة في الماضي.

وأوضح الباحث في المعهد دميتري غولوفين، أن هذا الإنجاز تحقق بفضل تحليل ودمج البيانات التي جمعها مقياس الطيف النيوتروني ‘FREND’، المثبت على متن المسبار ‘ExoMars-TGO’، على مدى السنوات الثماني الماضية.

وأتاح تراكم هذه المعلومات للعلماء إعداد خريطة أكثر تفصيلا للرواسب الصخرية الغنية بالمياه، ورصد مواقع جديدة لم تكن خصائصها واضحة بالقدر نفسه في الدراسات السابقة.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أن رصد المياه على المريخ لا يقتصر على البحث عن تجمعات مائية ظاهرة، بل يشمل أيضا تحديد وجود الهيدروجين في الطبقات القريبة من السطح، باعتباره مؤشرا يساعد العلماء على تقدير احتمال وجود الماء أو المواد الحاملة له.

ويتيح مقياس ‘FREND’ دراسة توزيع الهيدروجين في التربة والصخور، ما يوفر أدلة غير مباشرة على المناطق التي قد تحتوي على كميات مرتفعة من المياه المرتبطة بالمعادن أو المحفوظة في مواد تحت سطحية.

وأشار غولوفين إلى أن البيانات المتراكمة خلال ثماني سنوات من الرصد أسهمت في تحسين دقة القياسات بصورة ملحوظة، وساعدت على اكتشاف تجمعات جديدة للمياه، فضلا عن تحديد خصائص إضافية في بنية الرواسب التي سبق رصدها. ويعكس ذلك أهمية استمرار المراقبة الفضائية لفترات طويلة، إذ تسمح المقارنة بين مجموعات البيانات المتعاقبة بتطوير الخرائط العلمية وتقليص جوانب عدم اليقين المرتبطة بتحديد مواقع المواد الغنية بالماء.

ومن بين النتائج التي سلط الباحث الضوء عليها، تأكيد وجود الماء في وادي ‘مارينيريس’، وهو أحد أبرز المعالم الجيولوجية على سطح المريخ، إلى جانب اكتشاف رواسب معدنية مائية جديدة في المنطقة.

وأظهرت التحليلات ارتفاع الحد الأقصى المقدر لمحتوى الماء في تلك الرواسب من 20 في المائة إلى 30 في المائة، وهو تطور يعزز أهمية المنطقة في الأبحاث المتعلقة بتوزيع المياه وتفاعلها مع الصخور المريخية.

ويُعد وادي ‘مارينيريس’ من أكثر المناطق إثارة لاهتمام الباحثين، بالنظر إلى امتداده الواسع وتنوع تضاريسه وطبقاته الجيولوجية.

ويمكن أن تساعد دراسة الرواسب المائية فيه على فهم الظروف التي تشكلت خلالها المعادن الحاملة للماء، والعمليات التي أثرت في تطور سطح الكوكب عبر فترات زمنية طويلة.

وتتيح هذه المعطيات مقارنة البيئات المختلفة على المريخ، وتحديد ما إذا كانت المياه قد توزعت بصورة متجانسة أم تركزت في مناطق محددة تبعًا لطبيعة الصخور والظروف الجيولوجية.

وتعود البدايات الأولى لهذا المسار البحثي إلى عام 2020، عندما أشارت النتائج الأولية لرصد مقياس الطيف ‘FREND’ إلى وجود عدد من المناطق التي يُحتمل أن تكون غنية بالمياه.

وشجعت تلك المؤشرات العلماء على الانتقال إلى دراسات أكثر منهجية للرواسب الصخرية، من خلال توسيع نطاق الرصد وتجميع البيانات وتحليلها بصورة تسمح ببناء صورة أكثر شمولًا عن توزيع الماء على سطح المريخ.

ومن المواقع التي استقطبت اهتمام الباحثين فوهة ‘غيل’، إلى جانب منحدرات جبل ‘أبوليناريا’، إذ تتيح هذه المناطق دراسة الاختلافات بين التكوينات الجيولوجية وتحديد الخصائص التي قد ترتبط بوجود الماء أو المعادن المائية.

ويساعد إدراج مواقع متنوعة ضمن الخريطة الجديدة على توسيع قاعدة المقارنة بين مناطق المريخ، بدلًا من حصر الدراسات في مواقع محدودة سبق أن خضعت لمراقبة مكثفة.

ويحظى البحث عن المياه على المريخ بأهمية خاصة في علوم الكواكب، لأن الماء يُعد عنصرا أساسيا لفهم تطور البيئات الكوكبية وإمكان استمرار الظروف الملائمة للحياة. ومع ذلك، فإن اكتشاف رواسب غنية بالماء لا يعني بالضرورة وجود مياه سائلة متاحة على السطح، كما لا يشكل دليلًا مباشرا على وجود حياة حالية أو سابقة؛ إذ يتطلب تحديد طبيعة الماء وحالته ومصدره إجراء دراسات إضافية باستخدام أدوات وقياسات متخصصة.

ويمكن أن تسهم الخرائط الجديدة أيضا في توجيه المهمات الفضائية المستقبلية نحو مواقع ذات قيمة علمية مرتفعة، سواء لدراسة التركيب المعدني للصخور أو لفهم تاريخ الماء على الكوكب. وتساعد معرفة المناطق التي ترتفع فيها مؤشرات وجود الماء على تحديد أولويات الاستكشاف، واختيار مواقع تستحق مزيدًا من الرصد والتحليل المباشر عندما تسمح الإمكانات التقنية بذلك.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *