التخطي إلى المحتوى

تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام بأن الولايات المتحدة ربما تجاوزت الحدود في قتل القادة الإيرانيين، مما عقد المحادثات الجارية الآن لإنهاء الحرب، يمثل اعترافاً علنياً وضمنياً بأن واشنطن خاضت الحرب دون أن يكون لها رؤية محددة عن طبيعة ومستقبل هذا الصراع وكيفية انهائه سياسياً.

هذا التصريح يثير زاوية هامةً ومثيرة للجدل في القراءة السياسية والاستراتيجية للسلوك الأميركي تجاه النزاعات المعقدة. ويمكن تفكيك هذا الطرح إلى مجموعة من الأبعاد السياسية والعسكرية، أولها: غياب الهندسة السياسية لليوم التالي؛ فاستهداف أغلب قيادات الصف الأول دينياً وسياسياً وعسكرياً في ضربة واحدة كان المقصود منه إحداث صدمة وفراغ في السلطة، تدفع الجماهير إلى النزول في الشارع بحرية للتعبير عن آرائهم وتغيير السلطة التي لم تعد موجودة فعلياً على سدة الحكم، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، والضربة التي كانت تستهدف انقلاب الشارع على الحكم، أصبحت مبرراً وطنياً لالتفاف الجماهير حول ما تبقى من قادتهم.

ويبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان شاركتا في توجيه الضربة لم يستوعبا دروس التاريخ؛ وأحدُها ما حدث في مصر بعد هزيمة 1967، عندما أعلن الرئيس عبدالناصر تنحيه عن السلطة، إلا أن الجماهير تدفقت في الشوارع تطالب بعودته بدلاً من رأسه باعتباره المسؤول عن النكسة.

الثاني: الاعتماد على أوهام القوة بدلاً من الرؤية الشاملة، وهذا النوع من الحسابات يركز على إضعاف الخصم حركياً وتكتيكياً بضربات صادمة دون دراسة كافية لتداعيات ذلك على مسار التفاوض أو سلوك البدلاء الذين قد يكونون أكثر راديكاليةً أو أقل قدرة على التنازل.

الثالث: فقدان أدوات الحسم السياسي، فالتفاوض يتطلب وجود شريك قادر على تطبيق الاتفاقيات. إذا غاب هذا الشريك نتيجة الشلل القيادي، يتحول النصر العسكري السريع إلى مأزق سياسي وطويل الأمد.

على أي حال، كشفت تطورات الحرب عن فجوة محتملة بين أثر الضربات العسكرية والنتائج السياسية المرجوة منها؛ فقد غابت قيادات بارزة، بينما استمر النظام، لتبرز معضلة أساسية: مع من ستتفاوض واشنطن بعد استهداف هرم القيادة؟
فالضربات التي تضعف قدرة الخصم على إدارة الحرب قد تضعف أيضاً قدرته على التفاوض وإنفاذ أي تسوية.

وفي الحالة الإيرانية، قد يجد المسؤولون الذين يتولون مواقع القيادة أنفسهم أمام معضلة مزدوجة؛ إذ يتعين عليهم التعامل مع الضغوط العسكرية، بينما يواجهون في الداخل مخاطر اتهامهم بالتفريط أو الخيانة إذا قدموا تنازلات سياسية، غير أن اتجاه القيادة الجديدة سيظل مرهوناً بموازين القوى داخل النظام، ولا يمكن افتراض أنها ستكون بالضرورة أكثر تشدداً من سابقتها.

فاستهداف القيادات التنفيذية والعسكرية العليا لا يضعف القدرات العسكرية المباشرة فحسب، بل يُحدث خللاً هيكلياً في النظام السياسي وصنع القرار، وهو ما يؤدي لأزمة شرعية فيما تبقى من سلطة اتخاذ القرار. وهذا التحول يجعل لغة الميدان هي السائدة على حساب لغة الدبلوماسية.

وهناك نقطة في غاية الأهمية، وهي أن المفاوضات المعقدة تعتمد في كثير من الأحيان على شبكات ثقة شخصية بناها قادة ومهندسو السياسة الخارجية على مدى عقود (عبر وسطاء كعُمان أو قطر أو السويسريين). واختفاء هؤلاء يعني البدء من نقطة الصفر لبناء شبكات وتفاهمات جديدة.

فقدان التسلسل القيادي الموحد قد يؤدي إلى تصرف أجنحة أو وحدات عسكرية بشكل منفرد أو غير منضبط، مما يزيد من صعوبة الالتزام بأي اتفاقات لوقف إطلاق النار أو الهدن التكتيكية.

في ظل تعقيد وضبابية المشهد الإيراني من الداخل، تبدو الخيارات الأميركية للتعامل مع هذا المأزق محدودة للغاية، فقد تضطر إلى الاعتماد المكثف على الوسطاء الإقليميين لجس نبض القيادات الجديدة والتثبت ممن يملك “الختم النهائي” لاتخاذ القرار.

تواجه واشنطن، في المقابل، معضلة الوقت، فهي تحتاج إلى فهم موازين القوى الجديدة داخل طهران، وتحديد الجهة القادرة على اتخاذ القرار والالتزام به، لكنها قد لا تملك الوقت الكافي لانتظار استقرار المشهد السياسي. وبين مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي أملاً في فرض شروطها، واللجوء إلى الوسطاء لاختبار فرص التسوية، فالبديل ربما سيكون من خلال البحث عن مخرج أو “صفقة مجزأة” والانتقال من فكرة “التسوية الشاملة” إلى إبرام تفاهمات مرحلية صغيرة ومحدودة (مثل إيقاف القصف، فتح الممرات البحرية، أو التهدئة الميدانية المتبادلة).

لا شك أن واشنطن ألحقت ضرراً كبيراً بإيران. شهور من القصف الأميركي والإسرائيلي أضر بصناعات البلاد وبنيتها التحتية، مما أدى إلى ارتفاع البطالة ودفع المزيد من الإيرانيين إلى الفقر. تسببت عقوبات واشنطن والحصار البحري في تضخم هائل. ويمكن للجيشين الأميركي والإسرائيلي أن يحصلا على العديد من النجاحات التكتيكية، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.

لكن استراتيجياً، كان هناك فشل، فنظام الجمهورية الإسلامية لم ينهر. وفي الواقع، تعتقد طهران أنها ستهزم الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، أصبحت أكثر جرأة. وقد لا يتفق مسؤولوها على كل تكتيك، لكنهم يشتركون في الطموحات نفسها: إخراج القوات الأميركية من الخليج، وإجبار واشنطن على رفع جميع عقوباتها، وإقناع الولايات المتحدة بالاعتراف بأن إيران قوة إقليمية كبرى.

تكشف المعضلة الإيرانية أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنهاء الحرب سياسياً، فالتوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ يتطلب طرفاً قادراً على اتخاذ القرار والالتزام به، وهو ما قد يصبح أكثر تعقيداً حين تطال الضربات هرم القيادة نفسه.

وبين مواصلة الضغط أملاً في فرض شروط جديدة، والقبول بتفاهمات مرحلية لا تحسم القضايا الأساسية، تواجه واشنطن سؤالاً يتجاوز نتائج المعركة: كيف تنهي حرباً أضعفت خصمها، من دون أن تضمن قدرتها على إدارة ما بعدها؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *