ونفس الأمر ينطبق على بعض نجوم الشاشات من رجال الدين حين يستغرقون في الحديث عن الماضي أو سرد النصوص عن القيم والمثل العليا (وهي عظيمة ولا شك) ولكنهم لا يملكون الشجاعة أو ينقصهم العلم بفقه الواقع وفهم أثر البنى الاجتماعية والاقتصادية في التردي والانحلال، وأن العدالة الاجتماعية وقيم الحرية والمساواة والشفافية والفصل بين السلطات كفيلة بترقية حياة الإنسان العربي، وذاك هو الطريق إلى الوعي والنهضة الفكرية والدينية والعلمية المنشودة ،وغير ذلك مجرد كلام وشقشقة بلاغية وتفاصح وتزييف للوعي.
ويضعنا الاستعمار والكولونيالية اليوم أمام ضرورة امتحان الفعل الثقافي – مضمونه وجدواه – فطه حسين الطالب مثلا حين تقدم إلى جامعة السوربون بأطروحة عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية صدّر الرسالة بإهداء إلى الجيش الفرنسي الذي يكابد الويلات من أجل بسط الحضارة في الشمال الأفريقي، واضطر فيما بعد إلى حذف هذا الإهداء وعُرف فيما بعد باعتداله في خطابه وأفكاره عن العروبة والإسلام ،وقدور بن غبريط إمام مسجد باريس ألقى خطبة الجمعة بمسجد باريس1926 فاتخذ المنبر مديحا للفرنسيين وسياستهم في الجزائر في نشر الأنوار وتحقيق العدالة والحرية والمساواة والإخاء بين المستعمرين والجزائريين ،وقد كان مثقفان عربيان حاضرين في خطبة الجمعة هذه ،زكي مبارك وأحمد حسن الزيات حيث ذكر الزيات في الجزء الرابع ص168 من “وحي الرسالة” أن أذنيه اتسختا مما سمعتا من التزلف والتملق لفرنسا، وقد قال له بن غبريط حرفيا :”أدام الله نعمة فرنسا على شعوب العالم “، وأما زكي مبارك في كتابه” ذكريات باريس” كتب 🙁 فالتفت فإذا السيد قدور بن غبريط يصافحني فتأملت في وجهه طويلا وكنت سمعت أنه سعى في إنشاء هذا المسجد ليخدم فرنسا، ولكني تيقنت الآن أنه خدم دينه ووطنه حيث استطاع أن يبني مكانا للصلاة في باريس وفي جوار حديقة النباتات ،وصدق الإمام الغزالي حين قال( طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله).
وجاءت أحداث غزة الأليمة والحرب عليها ، وقبلها الحرب الظالمة على العراق التي دمرت بناه السياسية و الاقتصادية والاجتماعية وتسببت في كارثة إنسانية وحضارية هي وصمة عار في جبين العالم المتحضر في نسخته البوشية (نسبة إلى بوش الإبن) الأمريكية التي كشفت عورة العالم المتقدم وزيف القيم التي يدعو إليها ويمجدها وأن ما يؤمن به الغرب حقا هو آلهة السوق وأن العجل الذي يدعونا السامري إلى عبادته هو عجل ربوي مالي وإن كان يتستر برداء الكوكبية والإخاء والحريات والأنوار وغير ذلك من الأكاذيب.
كشفت أحداث غزة والحرب الظالمة عليها زيف الخطاب الغربي أولا بسرعة إدانة حركة حماس ووصفها بالإرهابية والبربرية المتوحشة وتسابق نجوم التلفزيون في فرنسا مثلا من المثقفين في عباءة خبير ومحلل إستراتيجي ومختص في الدراسات الشرقية والجماعات الأصولية إلى تقديم الرأي، فهم الخبراء والعارفون مثل إريك زمور وبرنارهنري ليفي الذي وصفه أوليفييه روا بأنه تاجر كتب لا يقرأ، وكان هذا التاجر أيام الفتنة يتجول في بنغازي يدعو الليبيين إلى تقرير مصيرهم والدخول إلى ساحة الأنوار والحرية، فأين ليبيا اليوم؟ ومثل هذا التضليل الإعلامي والتزييف في الوعي لشعوب غربية شكل الاستشراق قديما والكتابات الأدبية واللوحات الفنية والأفلام السينمائية والصورة اليوم وعيها ومفاهيمها الاولى الراسخة عن العرب والإسلام ، فقد أُثر عن كامو قوله لما سئل لماذا لا يشتري بيتا على شاطئ البحر؟ فأجاب :(أخشى أن ألتقي بالعرب إذا اشتريت بيتا على شاطئ البحر) فالعربي يُتجنب حتى في الشارع لأنه منحط بالهوية، وقد وصف برهان غليون هذه العلمانية بالعلمانية المعطوبة أو الرثة التي تلوم الضحية بدلا عن الجلاد خاصة ونحن نرى جيوشا من الأكاديميين والمثقفين الفرنسيين يتهافتون على الأستوديوهات في شكل خبراء ومختصين في العالمين العربي والإسلامي لتقديم الخبرة، تلك الخبرة التي وصفها إدوارد سعيد بأنها أقرب إلى التجارة الأيديولوجية منها إلى الأكاديمية العلمية، ولا شك أن الناقد الموضوعي غير المتحيز يتأكد من صدقية هذا الطرح فكلما تعلق الأمر مثلا بمقاربة موضوع الهولوكست يتسارع الساسة ومثقفو الخدمة إلى إدانة نزعة العداء للسامية والغرب نفسه ضايق وحاكم مثقفين لمجرد أنهم شككوا فقط في الأرقام مثل البريطاني دافيد إيرفينغ الذي كان محمد حسنين هيكل شاهدا على إحدى الاعتداءات عليه في لندن وكتب عنها،والفرنسي روجيه غارودي الذي حوكم لمجرد دعوته إلى مراجعة الأرقام وهدده أنصار خطاب إريك زمور بالموت .
وفي الغرب كثير من المثقفين الأوفياء للفعل الثقافي ولضمائرهم الحية غير القابلة للتضليل الإعلامي والأيديولوجي السياسي التي جوهرها المال والأعمال في الأساس أمثال تشومسكي الذي وصف إسرائيل بالإرهابية والفرنسي باسكال بونيفاس صاحب كتاب “مثقفو التزييف” الذي اتهم نجوم الثقافة بأنهم يشوهون القضايا التي يدعون معرفتها.
والمؤرخون الجدد اليوم من الإسرائيليين مثل بني موريس وآفي شلايم وسمحا فلابان وإيلان بابي صاحب كتاب (التطهير العرقي في فلسطين) منذ 1947 والذي فضح فيه خداع اليمين المتطرف في إسرائيل وسرقته الأرض وقتل وتهجير السكان الأصليين مثل ما يحدث اليوم في غزة.
وقد نُكبنا اليوم ببعض ممتهني الكتابة أو الفعل الثقافي ممن يصح تسميتهم بالكتبة الجدد من بني جلدتنا ممن يقيمون في الغرب تبنوا الطرح الغربي بقضه وقضيضه والنظرة الأوروبية المركزية للعرب والإسلام وكانوا ملكيين أكثر من الملك نفسه ، ولا شك أن هؤلاء يعرفون أن ثمن النجومية والصعود وتحقيق المكاسب الربحية (جوائز وإصدار مؤلفات وترويجها) وأحاديث صحفية ومقابلات تلفزيونية مدفوعة الأجر ثمنه موالاة الخطاب الغربي المتحيز ومشاركة مشاعر الكراهية والتعالي على الشرق والتحقير لدينه وثقافته ومثله العليا والسخرية من آماله وطموحاته ،وهو مزاد علني ثقافي يشارك فيه هؤلاء في رفع سقف الهجائية للعرب والإسلام وتمجيد الغرب ثقافة وأسلوب حياة .
ومواقف بعض المثقفين العرب تدعو إلى العجب مثل موقف أمين معلوف من الأحداث على غزة إذ اكتفى بترديد السردية الغربية سردية اليمين المتطرف في فرنسا دون أن يكلف نفسه عناء تحري الحقيقة، وماذا سيكون مصير معلوف لو أنه عارض؟ سيفقد مكانه في الأكاديمية ويتحوّل إلى عربي مهمش، ونفس الحالة تنطبق على الطاهر بن جلون الذي لا يمثل جيله اليوم شيئا في فرنسا اليوم حسب تعبير الكاتب آلان غريش رئيس تحرير صحيفة لوموند ديبلوماتيك السابق، فليس عنده- وقد تجاوزته الأحداث- ما يكتبه أمام الجيل الجديد.
وكان رشيد بوجدرة الكاتب اليساري المناصر للقضية الفلسطينية منذ زمن بعيد وله “يوميات فلسطينية” قد أصدر كتبا جدليا بعنوان “زناة التاريخ” وقد رأى بعضهم في الكتاب تصفية حساب ولكنه لا يخلو من الحقيقة، فضح فيه نخبة قدور بن غبريط والمواصلين لنهجه في الترويج لخطاب التنوير والتحديث والأنسنة وهي أكاذيب فرنسا الأنوار في تعاملها مع العرب ،وهو كتاب ينتقد المتحلقين حول الكاموية (نسبة إلى ألبير كامو) الذي اختار أمه فرنسا على حساب وطنه الجزائر وذلك بالتعاطف مع الجلاد ولوم الضحية وقد أسماهم أحد الصحافيين بالمبشرين الجدد خرجوا علينا اليوم بخرجات جديدة وأحدهم تألم كثيرا لبربرية حماس واعتدائها على سلامة وأمن المستوطنين دون أن يتساءل عن خلفيات هذا الاعتداء، وأمين عام الأمم المتحدة بموضوعية تحدث عن الفعل ورد الفعل ،ولم يتألم لآلاف الشهداء من النساء والشيوخ والأطفال الذين سقطت على رؤوسهم أطنان القنابل المتطورة إباديا ولم يذرف دمعة على هيروشيما الشرق الأوسط ،وكاتب آخر من كتاب المزاد العلني وصف الذي لم يتعاطف مع المستوطنين بأنه ليس إنسانا، وثالث لم يستح فكتب على نتياهو( قتل ما أمكن من مقاومي حماس)، وبوعلام صنصال فتح منذ زمن مكتبا للسمسرة الثقافية والخدمة وعرف كيف يجني زبونية ممتازة، فقد زار إسرائيل مرات سرا وعلانية ولم يفوت فرصة الحرب على غزة لإدانة حماس الإرهابية البربرية عدو الحضارة والتمدن وقيم الإنسانية ،وكيف لم يحس هذا الأخير بالخزي والعار حين يرى إسرائيليين يدينون إسرائيل أمثال بابي وشلايم وبني موريس وتشومسكي وغيرهم ولكنه منخرط في ضرورات الخدمة والتزامات النضال في صفوف الحركى الجدد (تسمية قديمة تعود إلى أيام الثورة التحريرية الجزائرية أطلقت على من يخدم الجيش الفرنسي على حساب ثوار جبهة التحرير الوطني)، اختصاص المجال الثقافي كما يؤثر الأكاديمي والمؤرخ أحمد رواجعية تسميتهم في أحد حواراته مع بوعلام رمضاني عن الحرب على غزة.
يردد الجزائريون مثلا شعبيا مشهورا “عربي عربي ولو تكون الكولونيل بن دواد” وهو ضابط جزائري خدم في الجيش الفرنسي آلمه التمييز العنصري رغم الخدمة فانتحر احتجاجا صارخا بهذه الجملة التي غدت مثلا مشهورا، وليس لهؤلاء من حياة طويلة لأن كتاباتهم موضة تجارية ظرفية موقوتة كالكتابة الصحفية وليست أدبا باقيا، ولأن شعوبهم الأصلية تنبذهم فهم لا يعبرون عن قضاياها وتنظر إليهم بعين الريبة والرفض، كما أن مدة صلاحيتهم محدودة مثل علب الزبادي والشكولاطة تنتهي سريعا ولا تبقى إلا الكتابة الهادفة المختلفة حتى لو كانت نقدا ممضا لأنها تستمد صدقيتها من حياة صاحبها وكدحه ونضاله من أجل الإنسان، فهل يمكن أن ننسى الطاهر وطار الذي قال “لو أردت أن أكون نجما لكنت، وما علي إلا مغازلة اليمين المتطرف والصهيونية في فرنسا”، ومالك حداد وآسيا جبار ومحمد ديب وغيرهم ممن هم على شاكلته من رواد الفعل الإبداعي والعطاء الإنساني وتمثل قيم الأدب الحقيقي.

التعليقات