التخطي إلى المحتوى

الرياض – بحث مسؤولون عراقيون وسعوديون، الخميس، تعزيز التنسيق الأمني وإحكام السيطرة على الشريط الحدودي المشترك، في إطار التعاون لمواجهة التحديات الأمنية بين البلدين وذلك غداة مباحثات أجراها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تناولت التطورات الإقليمية وتعزيز التنسيق الأمني لمواجهة التحديات المشتركة.
وأكد الزيدي خلال اللقاء موقف العراق الثابت “بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقا لأي اعتداءات أو أعمال تمس أمن المملكة ودول المنطقة”، وفق بيان لمكتبه الإعلامي.
وعلى خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ فبراير/ شباط الماضي، قالت دول عربية، بينها السعودية، إنها تعرضت لهجمات شنتها من العراق جماعات مسلحة موالية لطهران.
وتجاوزت تداعيات هذه الهجمات الجانب العسكري، بعدما وضعت الحكومة العراقية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على فرض سلطة الدولة على الجماعات المسلحة ومنعها من جر البلاد إلى مواجهات إقليمية. ففي يوليو/تموز الماضي، أعلنت الرياض اعتراض طائرات مسيرة أُطلقت من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية، قبل أن تشن القوات الأميركية والسعودية ضربات على مواقع قالت القيادة المركزية الأميركية إنها تضم مستودعات أسلحة ومنشآت لوجستية لفصائل متحالفة مع إيران 
وتجددت المخاوف في سبتمبر/ يلول، عندما استهدفت طائرات مسيرة خط الأنابيب السعودي شرق-غرب، الذي يمثل مسارا بديلا لنقل النفط إلى البحر الأحمر في ظل اضطراب طرق التصدير الإقليمية. وقالت بغداد إن الهجوم انطلق من أراضيها، فيما لم تعلن جهة مسؤوليتها عنه. وتبرز هذه الوقائع المخاطر التي قد تترتب على استمرار نشاط الجماعات المسلحة خارج السيطرة الفعلية للمؤسسات الرسمية، خصوصا عندما تطال تداعيات عملياتها البنية التحتية للطاقة في دول الجوار.
وفي مواجهة هذه الضغوط، اتخذت حكومة الزيدي خطوات إدارية وأمنية، بينها إقالة قائد عمليات ميسان وتشكيل مجلس تحقيقي عقب هجمات انطلقت من المحافظة باتجاه السعودية، بحسب تصريحات عراقية رسمية نقلتها وسائل إعلام سعودية. غير أن التحدي لا يقتصر على تحديد مواقع إطلاق الطائرات المسيرة أو معاقبة المقصرين، بل يشمل منع تكرار الهجمات وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لقرارات القيادة العسكرية الرسمية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية في ضوء حساسية العلاقة بين بغداد والفصائل الولائية، التي يرتبط بعضها بإيران سياسيا وعسكريا. فاستمرار الهجمات التي تهدد السعودية قد يخدم عملياً مساعي طهران إلى توسيع نطاق الضغط على خصومها الإقليميين، لكنه يضع العراق أيضا أمام مخاطر العزلة العربية وتراجع الثقة بقدرته على حماية مصالح جيرانه. ولا يعني ذلك ثبوت مسؤولية فصيل بعينه عن كل هجوم، لكنه يوضح حجم المعضلة التي تواجه الحكومة في التعامل مع جماعات مسلحة لا تخضع جميع تحركاتها بالضرورة لقرار الدولة.
وفي هذا السياق، تسعى بغداد إلى إقناع الرياض بأن تعهداتها بحماية أمن المملكة ليست مجرد مواقف دبلوماسية، بل أساس لسياسة أمنية قابلة للتنفيذ. ويشمل ذلك تشديد الرقابة على المناطق الحدودية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الاستجابة للتهديدات العابرة للحدود، إلى جانب ملاحقة الجهات التي تستخدم الأراضي العراقية لشن هجمات خارجية.
وأعلنت قيادة قوات الحدود العراقية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية “واع”، عقد اجتماع دوري بين قيادة حدود المنطقة الخامسة العراقية وقيادتي حرس الحدود في المنطقتين الشمالية والشرقية بالسعودية.
وأوضح البيان أن الاجتماع تناول “سبل تعزيز التنسيق والتعاون المتبادل، بما يسهم في إحكام السيطرة على الشريط الحدودي، وترسيخ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية”.
وترأس الجانب العراقي قائد حدود المنطقة الخامسة رحيم يونس رحيم، فيما ترأس الجانب السعودي قائدا حرس حدود المنطقتين الشمالية والشرقية، فالح بن فلاح بن حثلين وعلي بن عبد الله الأحمري.
وفي 27 أغسطس/آب الماضي، بحث وفد أمني وعسكري سعودي مع مسؤولين عراقيين في بغداد تعزيز التعاون الأمني وضبط الحدود وتكثيف تبادل المعلومات.
كما بحث قائد قوات الحدود العراقية محمد عبدالوهاب سكر، خلال زيارة إلى السعودية في فبراير شباط الماضي، مع نائب وزير الداخلية السعودي عبد العزيز بن محمد بن عياف، تعزيز التنسيق في ضبط الحدود والتعاون في مجال التدريب.
ويعكس تكرار اللقاءات انتقال الملف الأمني إلى صدارة العلاقات بين البلدين، بالتوازي مع مساعيهما لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري وقطاع الطاقة. فاستقرار الحدود وتراجع مخاطر الهجمات شرطان مهمان لتهيئة بيئة مواتية للاستثمار وتوسيع الروابط الاقتصادية، بينما قد يؤدي استمرار التوتر الأمني إلى إبطاء التقارب وإعادة العلاقات إلى دائرة إدارة الأزمات.
وتبقى قدرة حكومة الزيدي على ترجمة التعهدات إلى نتائج ميدانية العامل الحاسم في المرحلة المقبلة؛ إذ ستُقاس فاعلية التنسيق بمدى منع انطلاق هجمات جديدة من الأراضي العراقية، وليس فقط بعدد الاجتماعات والاتفاقات المعلنة. كما أن نجاح بغداد في احتواء هذه التهديدات قد يمنحها مساحة أوسع لتعزيز علاقاتها العربية، في وقت تتداخل فيه التحديات الأمنية مع صراعات إقليمية تتجاوز حدود البلدين.
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *