نيويورك/جنيف – يراهن المغرب على الزخم الذي أحدثه قرار مجلس الأمن رقم 2797 لتسريع تسوية نزاع الصحراء، بالتوازي مع الدفع نحو إنهاء الوضع الممتد منذ عقود في مخيمات تندوف، عبر حلول مستدامة تضع العودة الطوعية أو الاندماج أو إعادة التوطين في صلب المقاربة الإنسانية، داعيا الجزائر وجبهة بوليساريو إلى الانخراط في مفاوضات بحسن نية ودون شروط مسبقة.
وتتحرك الرباط على مسارين متكاملين، سياسي وإنساني، مستندة إلى ما تعتبره تحولا في مقاربة الأمم المتحدة للنزاع، وإلى دعم واسع داخل اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لمقترح إعادة توجيه الجهود والتمويل نحو حلول تنهي معاناة سكان المخيمات، بدلا من الاكتفاء بتدبير احتياجاتهم الإنسانية بصورة مستمرة.
وأكد السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة في نيويورك، أن القرار 2797 شكل “منعطفا حاسما” في معالجة ملف الصحراء، من خلال الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية، معتبرا أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي باتت أساسا للمسار السياسي، في إطار السيادة المغربية.
وشدد هلال على أن القرار حدد مسؤولية الأطراف الأربعة، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وبوليساريو، ودعاها إلى المشاركة في البحث عن حل سياسي واقعي ودائم، بحسن نية ودون شروط مسبقة، مشيرا إلى أن هذا التوجه أتاح إجراء محادثات مباشرة في واشنطن ومدريد، شاركت فيها الأطراف المعنية، وقدّم خلالها المغرب تصوره المفصل للحكم الذاتي، بما يشمله من اختصاصات تنفيذية وتشريعية وقضائية.
وبحسب الدبلوماسي المغربي، فإن المرحلة الراهنة تتطلب ترجمة الزخم الدبلوماسي إلى خطوات عملية، تشمل احترام الالتزامات، والانخراط الجاد في المفاوضات، والعمل على إعادة إرساء وقف إطلاق النار والالتزام به. ويعكس هذا الخطاب سعي الرباط إلى تثبيت الحكم الذاتي باعتباره المدخل السياسي للتسوية، مع رفض العودة إلى مقترحات ترى أنها تتجاوز المسار الذي رسمته قرارات مجلس الأمن.
ولا تفصل المملكة بين هذا المسار السياسي والملف الإنساني لمخيمات تندوف، إذ ترى أن استمرار الأزمة لعقود جعلها تتجاوز حدود التدبير الإغاثي المؤقت، ويستدعي توفير أفق واضح للسكان، ولا سيما الأجيال التي نشأت في المخيمات دون حل نهائي لوضعها.
وفي جنيف، دعا السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، عمر زنيبر، قيادة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والدول المانحة إلى إعطاء الأولوية لتمويل الحلول المستدامة، مؤكدا أن الخيارات المطروحة تشمل العودة الطوعية إلى الوطن، أو الاندماج في البلد المضيف، أو إعادة التوطين في بلد ثالث، وفق إرادة السكان الحرة.
واستند زنيبر إلى ما وصفه بتدهور الأوضاع الإنسانية في المخيمات، مشيرا إلى استمرار مؤشرات سوء التغذية والهشاشة، وإلى تقارير أممية تتناول مخاوف بشأن تحويل المساعدات عن وجهتها، معتبرا أن بقاء المخيمات طوال هذه المدة يطرح تساؤلات بشأن فاعلية المقاربة القائمة على استمرار تقديم المساعدات من دون أفق سياسي أو إنساني ينهي الأزمة.
كما استحضر تحذيرات المفوض السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، بشأن الظروف المعيشية في المخيمات، ورسالة مؤرخة في الثاني من سبتمبر/ايلول الماضي، قال إن المفوض السامي والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك وجّهوها إلى الأطراف المعنية، داعين إلى التنفيذ الفوري لحلول مستدامة.
وتقول الرباط إن هذه التحركات تعزز فرص الانتقال من إدارة أزمة طويلة الأمد إلى معالجة أسبابها، خصوصا في ظل القرار 2797 وما تعتبره وضوحا أكبر في المسار السياسي. كما تؤكد أن دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس سكان المخيمات إلى اغتنام فرصة جمع الشمل مع ذويهم تمثل جزءا من هذا التوجه، مع التشديد على المساواة بين العائدين وسائر المواطنين المغاربة.
وفي مؤشر إلى محاولة توسيع قاعدة الدعم الدولي، أفاد زنيبر بأن الوفد المغربي أجرى مشاورات مع معظم أعضاء اللجنة التنفيذية للمفوضية، وتلقى تأييدا صريحا من عدد مهم منهم عبر مراسلات رسمية، فيما أبدت أغلبية الدول المانحة استعدادها لتمويل تنفيذ الحلول المقترحة. ويمنح هذا الدعم، وفق الطرح المغربي، المبادرة بعدا يتجاوز المرافعة السياسية إلى البحث عن آليات عملية للتنفيذ.
وتسعى الرباط، من خلال الجمع بين المسارين، إلى جعل تفكيك مخيمات تندوف نتيجة لحلول طوعية ومستدامة، لا إجراء منفصلا عن إرادة السكان أو عن تسوية النزاع. لكنها تربط بلوغ هذه الغاية بانخراط الأطراف المعنية في المفاوضات واحترام الالتزامات، في وقت لا يزال فيه نجاح المسار مرهونا بمدى استعدادها لتحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة.
ولا يقتصر الرهان المغربي على إنهاء النزاع، بل يمتد إلى إعادة تنشيط التعاون المغاربي وتخفيف التوتر الإقليمي، فالتسوية، وفق رؤية الرباط، يمكن أن تفتح المجال أمام تكامل أوسع بين دول المنطقة، وتعاون أكبر في الفضاء الأطلسي الإفريقي ومنطقة الساحل، بما يعزز الاستقرار والتنمية، غير أن تحقيق هذا الطموح يبقى مرتبطا بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات السياسية والانتقال إلى مفاوضات جدية تضع حدا لأزمة طال أمدها.

التعليقات