التخطي إلى المحتوى

عادت أجواء الحرب الأهلية الشاملة إلى اليمن في أعقاب إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، المدعوم من الرياض، عن بدء عمليات عسكرية لاستعادة جميع الأراضي التي يسيطر عليها مقاتلو الحوثيين المدعومون من إيران حالياً.

الهدف من الحرب هذه المرة ليس عودة الاستقرار إلى اليمن بقدر ما هو إزاحة الخطر الحوثي عن مضيق باب المندب الذي بات يشكل شرياناً مهماً لصادرات الطاقة والنفط السعودي.

مؤخراً، استولى الحوثيون على مناطق استراتيجية رئيسية على طول ساحل البحر الأحمر، مما منحهم نفوذاً غير مسبوق على أحد أكثر طرق الشحن ازدحاماً في العالم، وهو مضيق باب المندب.

وتثبيت وجودهم في الجبال المطلة على المضيق قد يمنحهم سيطرة شبه كاملة على الممر، ويجعل مواجهتهم لاحقاً تتطلب معارك مرهقة نتائجها معروفة سلفاً وهي لا منتصر ولا مهزوم، مع مخاطر امتداد التهديد إلى القرن الأفريقي، وهو ما حدث بالفعل.

تضم الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون حوالي 70 في المئة من سكان اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء. ومن المفترض أن هذا الهجوم سيستمر حتى تحقق القوات الحكومية السيطرة الكاملة على كامل التراب الوطني. وهي مساحة جغرافية معقدة تحتاج إلى قدرات عسكرية ولوجستية لا تمتلكها القوات اليمنية، حتى لو تم دعمها جوياً واستخباراتياً.

على حسب التقارير الخبرية المنشورة، فإن الحكومة اليمنية قد تعبئ ما يصل إلى 100 ألف جندي، وهو أحد أكبر التعزيزات العسكرية منذ هدنة 2022 التي أوقفت الحرب الأهلية التي استمرت ثماني سنوات، لكن هذا قد لا يكفي في الوقت الراهن نظراً لتغير آليات الصراع والدور المحوري المتزايد للمسيرات والصواريخ الباليستية.

وفي القلب من تلك الأزمة تكمن معضلة أخرى تتمثل في تقاطعات مصالح حادة بين الرياض وأبوظبي، ورغم التحالف الاستراتيجي العام، فإن رؤيتيهما للملف اليمني متباينتان؛ الرياض تركز على أمن حدودها المباشر واستقرار اليمن تحت مظلة حكومة موحدة ومنع التهديدات الحوثية، بينما تركز أبوظبي على الموانئ، والمنافذ البحرية، ودعم قوى محلية معينة كالرئاسي أو الانتقالي.

الممر المائي في باب المندب لم يعد مجرد خط تنقل تجاري، بل أصبح محور الارتكاز الأمني لكل الدول المطلة عليه. سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن زادت من هشاشة الملاحة، مما دفع القوى الإقليمية للبحث عن خيارات أمنية موازية على الضفة المقابلة في أفريقيا (إريتريا، الصومال، أرض الصومال، وجيبوتي). هذا التداخل جعل أي صراع في الضفة اليمنية يمتد أثره فوراً إلى ضفة القرن الأفريقي والعكس.

هناك جرح غائر في التاريخ اليمني المعاصر؛ مضمونه أن المراهنة على الحسم العسكري أو “فرض السلام” بالقوة في بيئة تعقدت فيها السياسة بالجغرافيا والديموغرافيا غالباً ما كانت تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصور أشد قسوة.

منذ ثورة 1962 وتدخل القوى الإقليمية حينها، وصولاً إلى الحروب الست في صعدة ثم الحرب الراهنة، أثبتت التجربة اليمنية أن التفوق العسكري لجهة ما لا يعني قدرتها على إدارة الدولة أو فرض الاستقرار، بل ينتج في الغالب حركات تمرد مضادة ومقاومة مجتمعية عابرة للأجيال.

في السابق فشل الرهان على “تدويل الأزمة” أو “عزلها”، وثبت أن الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي يحول الفاعلين المحليين إلى وكلاء لأجندات إقليمية، مما يفقد الأطراف اليمنية استقلالية القرار.

كما أن استراتيجية “احتواء الأزمة داخل الحدود اليمنية” أثبتت فشلها التام أيضاً، حيث عبرت آثار الأزمة الحدود على شكل تهديدات للملاحة الدولية وسلاسل الإمداد، وهجمات عبر الحدود لدول الجوار واستهداف منشآت اقتصادية وعسكرية، فضلاً عن أزمات نزوح ولجوء ضاغطة.

أما السبب الأبرز فيتلخص في الجغرافيا والديموغرافيا المعقدة التي يتميز بها اليمن، وهي تجعل من الصعب على أي طرف – مهما بلغ دعمه الخارجي – إحكام السيطرة الكاملة. كل محافظة أو إقليم لديه ديناميكيات محلية تجعل استيراد الحلول الشاملة السريعة أمراً شبه مستحيل.

نحن أصبحنا في حاجة إلى “رؤية جامعة” بدلاً من “الحسم”، فبناء السلام المستدام في اليمن يتطلب العودة إلى الجذور، عقد اجتماعي جديد، لا يركز فقط على اقتسام السلطة بين أمراء الحرب، بل يبحث في بناء دولة مواطنة، ولا مركزية إدارية وتنموية تراعي خصوصيات المناطق، وإعادة بناء الاقتصاد المهشم.

إثبات الحقائق التاريخية يعتبر ملهاة.. وليس من الضروري إعادة إثبات أن الحرب والقوة لم ولن تعيد الاستقرار لليمن. الواقع المؤلم يؤكد أن السلام في هذا البلد لن يُصنع بقرار فجائي أو بعملية عسكرية ذات اسم برّاق، بل بمسار سياسي يمني – يمني طويل، يدرك فيه الجميع أن كلفة الاستمرار في الحرب أصبحت أكبر بكثير من كلفة التنازل من أجل السلام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *