لماذا لا تصنع الدراجات الهوائية في أمريكا؟
تعتمد السياسات التجارية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على فرض رسوم جمركية مشددة بهدف تحفيز التصنيع وتوطينه في الداخل الأمريكي.
غير أن الواقع العملي للشركات العاملة في قطاع التجميع والتصنيع المحلّي يُظهر مفارقة هيكلية؛ حيث أدت هذه الرسوم إلى زيادة التكاليف التشغيلية ومضاعفة الأعباء على المكونات والأجزاء المستوردة التي لا تتوفر لها بدائل محلية.
وتُبرز تجارب الشركات الأمريكية الصعوبات التي تواجه بيئة التصنيع المحلي في ظل تقلب الرسوم وضعف سلاسل التوريد وسط المنافسة الأجنبية.
فكيف تُظهر أزمة شركة “لاوف سايكلز” (Lauf Cycles) الآيسلندية للدراجات الهوائية الفجوة العميقة بين الأهداف المعلنة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع؟

كيف تؤثر الرسوم الجمركية على المكونات المستوردة؟
تتحمل الشركات المحلية رسومًا جمركية مرتفعة على أجزاء الدراجات المستوردة لعدم وجود بدائل تصنيعية داخل الولايات المتحدة، مقارنة “لاوف” بحين افتتحت مصنعها في أمريكا عام 2023، حين بلغ متوسط الرسوم على قطع الغيار آنذاك 9.1%.
وصلت معدلات الرسوم الجمركية على بعض الهياكل والمكونات الصينية إلى مستويات قياسية تجاوزت 40% لتصل إلى 170% خلال فترات ذروتها.
كيف أثرت حرب “ترامب” التجارية على سير الأعمال؟
عندما افتتحت “لاوف” مصنعها في ولاية فرجينيا، كانت هياكل الدراجات المصنوعة من ألياف الكربون معفاة مؤقتاً من الرسوم الجمركية البالغة 25%، والتي فرضها “ترامب” في حربه التجارية الأولى على معظم السلع الصينية.
انتهى هذا الإعفاء في عام 2024، وعقب عودة “ترامب” إلى السلطة في العام التالي، فرض رسوما أدت لرفع معدل الرسوم الفعلي الذي تتحمله “لاوف” على مكونات الدراجات المستوردة ليتجاوز 77%.
ما المفارقة التي تواجه مصنعي الدراجات داخل أمريكا؟
يدفع المجمعون المحليون رسومًا على المكونات بينما يستورد المنافسون دراجات كاملة من دول ذات تكلفة عمالة منخفضة.
تبلغ النسبة الحالية للرسوم الجمركية على بعض الطرازات المجمعة محليًا نحو 21.7% بعد تقلبات تنظيمية وقضائية متتابعة.
ما حصة الدراجات المستوردة في السوق الأمريكي؟
تُشكل الدراجات الجاهزة المستوردة من الخارج أكثر من 95% من إجمالي الدراجات المبيعة في السوق الأمريكية، بينما تتراجع حصة التصنيع والتجميع المحلي المباشر إلى مستويات هامشية للغاية.
تحولت كميات كبيرة من الواردات نحو دول مثل كامبوديا وفيتنام لتفادي الرسوم المباشرة على الصين.
كيف أثرت الرسوم على حصة الصين التجارية؟
انخفضت حصة الصين من واردات الدراجات الأمريكية إلى 25.9% مقارنة بنحو 40.4% في أعوام سابقة.
أصبحت كامبوديا المورد الأول للسوق الأمريكي من حيث القيمة بفضل تدفق الاستثمارات وتجهيز المصانع.
ما الفرق بين الرسوم المفروضة على الصين وتلك المطبقة على كمبوديا؟
تخضع المنتجات والدراجات الواردة من كمبوديا لرسوم جمركية قدرها 21%.
تتكبد المنتجات والدراجات المستوردة مباشرة من الصين رسومًا جمركية مرتفعة تصل إلى 48.5%.
كيف تخفض العلامات التجارية الصينية أسعارها؟
تعتمد الشركات الصينية مثل “إكس دي إس” (XDS) وعلامتها “إكس لاب” (X-LAB) على التكامل الرأسي للحد من تكاليف الإنتاج.
يتيح نقل عمليات التجميع إلى دول مثل كمبوديا الاستفادة من انخفاض أجور العمالة وتفادي جزء كبير من الرسوم المرتفعة.
لماذا يصعب بناء دراجة أمريكية بالكامل حاليًا؟
تفتقر سلاسل التوريد الأمريكية للمصنعين المحليين القادرين على إنتاج هيكل الدراجة المصنوع من ألياف الكربون والمكونات المتقدمة عالية التقنية.
فقدت الولايات المتحدة قاعدة تصنيع المكونات الأساسية لصالح المراكز الآسيوية على مدار الثلاثين عامًا الماضية، فمع تنامي الطلب وبحلول التسعينيات، ركزت العلامات التجارية الأمريكية على التصميم والهندسة، بينما أوكلت مهام تصنيع الهياكل والمكونات وعمليات التجميع إلى مصانع خارجية.

كيف تتأثر أسعار المنتجات النهائية للمستهلكين؟
اضطرت “لاوف” -التي أنتجت ما يقرب من 3000 دراجة في العام الماضي- إلى زيادة أسعار البيع المباشر بنسب وصلت إلى 8% لتغطية تكاليف الرسوم الجمركية.
تتراوح أسعار الدراجات المجمعة محليًا بين 3100 دولار و7790 دولارًا لتغطية أجور العمالة الأمريكية والتعريفات.
هل تراجعت خطط التوسع والإنتاج المحلي؟
تسببت الضغوط المالية وعدم اليقين بشأن السياسات الجمركية في تعليق خطط مضاعفة الإنتاج في مصانع “لاوف”.
كادت التغييرات المفاجئة في التعريفات الجمركية لعام 2025 أن تدفع “لاوف” إلى دائرة الإفلاس، واضطرت الشركة للبحث عن مستثمرين جُدد لضخ رأس المال وتفادي الانهيار قبل صدور أحكام قضائية بالرد المالي.
نهاية المطاف
يتطلب نمو التجميع المحلي وتحوله لتصنيع كامل زيادة الاستثمار في الأتمتة والمعدات التقنية، كما تشكل حالة عدم اليقين بشأن السياسات الجمركية حائلًا دون تدفق الاستثمارات طويلة الأجل اللازمة لتوطين الصناعة.
ومع افتقار الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة إلى رأس المال الكافي لنقل مصانع المكونات التابعة لها خارج الصين بسرعة، تتحمل هذه الفئة من الشركات العبء الأكبر من التقلبات السعرية والضغوط التنظيمية المفروضة على سلاسل الإمداد، وبالتالي تتضرر السوق العالمية ككل.
على أية حال، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الرسوم الجمركية في تحقيق هدف حماية الإنتاج المحلي وإعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، أم أنها تزيد كلفة التجميع وتطيل أمد الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية؟
المصدر: بلومبرج – لاوف سايكلز
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات