التخطي إلى المحتوى

باريس – قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن الاجتماع الذي جمع وزراء خارجية مجموعة “R4″، التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، ومجموعة “E3” التي تضم بريطانيا وألمانيا وفرنسا، بمشاركة إيطاليا، أفضى إلى اتفاق على التحرك معا من أجل تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

واتفقت الدول الثمانية، في اجتماع احتضنته إسطنبول الجمعة، على مواصلة العمل المشترك وتكثيف التشاور بشأن ملفات الأمن الإقليمي وحرية الملاحة، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران واليمن، وتزايد المخاوف من تداعياتها على أمن الطاقة والتجارة الدولية.

ويكتسب هذا التحرك أهمية من طبيعة الدول المشاركة وتباين أدوارها السياسية والدبلوماسية، إذ يجمع بلدانا إقليمية تربطها مصالح مباشرة بأمن الشرق الأوسط، إلى جانب قوى أوروبية مؤثرة في الملفات الأمنية والدبلوماسية، بما يتيح توسيع نطاق التشاور بشأن الأزمات التي تتجاوز تداعياتها الحدود الجغرافية للمنطقة.

وأكد بارو أن التطورات في الشرق الأوسط لا تؤثر على سكان المنطقة وحدهم، بل تترتب عليها نتائج مباشرة بالنسبة إلى الدول الأوروبية أيضا، في إشارة إلى الترابط بين الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة والمصالح الاقتصادية الدولية.

ويعكس هذا الموقف إدراكا أوروبيا بأن اضطراب الممرات البحرية الحيوية أو اتساع المواجهات العسكرية في المنطقة يمكن أن ينعكس على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة، فضلا عن زيادة الضغوط الأمنية والدبلوماسية على الدول المعنية.

وفي هذا السياق، تصدرت إيران وحرية الملاحة جدول أعمال الاجتماع، إلى جانب مضيق هرمز والبحر الأحمر والبحر الأسود، وهي ممرات بحرية تكتسب أهمية استراتيجية للتجارة الدولية ونقل الطاقة، ويؤثر استقرارها في مصالح دول المنطقة وأوروبا على السواء.

ويبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التنسيق، نظرا إلى دوره في حركة إمدادات النفط والغاز العالمية، فيما يكتسب البحر الأحمر أهمية متزايدة بفعل موقعه على أحد أهم مسارات التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.

ويعني إدراج هذه الممرات ضمن المشاورات أن التحرك لا يقتصر على معالجة الأزمات السياسية، بل يمتد إلى بحث التحديات التي تهدد حرية الملاحة واستمرارية حركة التجارة. غير أن الاتفاق على مواصلة التنسيق لا يعني، بحد ذاته، التوصل إلى آليات تنفيذية مشتركة أو اتخاذ قرارات أمنية محددة، إذ لم يعلن بارو تفاصيل من هذا النوع.

وتحضر التطورات المرتبطة باليمن في هذا السياق، في ظل المخاوف من انعكاسات الهجمات التي تستهدف الملاحة والمنشآت الحيوية على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

وذكّر بارو بالمبادرات الفرنسية الرامية إلى دعم السعودية في حماية بنيتها التحتية للطاقة من هجمات الحوثيين، بما يعكس اهتمام باريس بتعزيز أمن المنشآت الحيوية ومواجهة التهديدات التي تطالها.

كما أن مشاركة المملكة ومصر وتركيا وباكستان تمنح الاجتماع بعدا إقليميا، بالنظر إلى المصالح الأمنية والاقتصادية التي تربط هذه الدول باستقرار الشرق الأوسط والممرات البحرية المحيطة به، فيما تضيف مشاركة بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا بعدا أوروبيا إلى المشاورات.

وفي ما يتعلق بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حذر وزير الخارجية الفرنسي من أن تصاعد التوتر بين الطرفين “لن يؤدي إلا إلى خاسرين”، مجددا دعوة الدول الثماني إلى واشنطن وطهران لضبط النفس.

وتعكس هذه الدعوة خشية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها الأمنية والاقتصادية، خصوصا إذا امتدت تداعياتها إلى الممرات البحرية أو البنية التحتية للطاقة.

كما تضع الدول المشاركة أمام تحدي الموازنة بين حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

ولم تقتصر المباحثات على إيران والملاحة البحرية، بل شملت القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن، فضلا عن المساعي الرامية إلى إيجاد حل للحرب الروسية الأوكرانية، ما يعكس اتساع جدول الأعمال وتداخل الملفات الإقليمية والدولية.

ويمثل الاتفاق على عقد اجتماعات دورية أبرز مخرجات لقاء إسطنبول، إذ يتيح استمرار التشاور بشأن الأزمات المتغيرة وتنسيق المواقف بين الدول المشاركة بدلا من الاكتفاء باجتماع واحد.

ومع ذلك، ستظل فاعلية هذا المسار مرتبطة بقدرته على ترجمة التفاهمات السياسية إلى مواقف عملية، ولا سيما في القضايا التي تتباين بشأنها حسابات الدول، مثل التعامل مع إيران، وضمان حرية الملاحة، واحتواء تداعيات الصراعات الإقليمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *